E
O
H
R
المنظمة
المصرية
لحقوق
الانسان
 

حالة حقوق الانسان فى مصر- التقرير السنوى لعام 2002

القسم الأول
التشريعات و الأحكام القضائية و الإجراءات

 أصبح تعليق المنظمة المصرية لحقوق الإنسان على استمرار العمل بقانون الطوارئ أحد ثوابت تقاريرها السنوية منذ التقرير الأول وحتى هذا التقرير الذي يعد الثالث عشر أي بعد ثلاثة عشر عاماً. ويصدر تقرير عام 2002 بعد أن دخلت حالة الطوارئ في مصر عامها الثاني والعشرين على التوالي[1]. وتشعر المنظمة المصرية ببالغ الأسف بسبب استمرار هذه الحالة الاستثنائية والتي دفعتها إلى اعتبار قانون الطوارئ بمثابة دستور ثان للبلاد، يوفر للسلطة نوعاً من الحصانة إزاء انتهاك حقوق الإنسان وتهميش الدستور والقانون، وتعطيل وفاء الحكومة المصرية بالتزاماتها الدولية بموجب تصديقها على العهود والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان، هذا فضلا عن خلق مناخ عام معادى لحقوق الإنسان. 

ومن الظواهر المثيرة للقلق المصاحبة للعمل بقانون الطوارئ عدم توافر أية رقابة فعلية على إعلان حالة الطوارئ في البلاد باعتبارها عملا من أعمال السيادة، فضلا عن عدم توافر رقابة برلمانية فعالة على مبررات استمرار حالة الطوارئ، خاصة وأن رئيس الجمهورية الذي يعلن حالة الطوارئ هو نفسه رئيس الحزب الوطني الحاكم الذي يتمتع بالأغلبية داخل البرلمان.

وقد أكدت المنظمة المصرية على مدار السنوات الماضية، أن قانون الطوارئ قد تم تفعيلة من أجل العصف بالعديد من الحقوق والحريات الأساسية، فهو ليس إجراءا استثنائياً وإنما نمط حكم ومن أبرز الانتهاكات التي تقع تحت مظلة الطوارئ، نذكر ما يلي:

§      سلطة وضع القيود على حرية الأشخاص في الاجتماع والتنقل والإقامة، والقبض على المشتبه فيهم أو الخطرين على الأمن واعتقالهم وتفتيش الأشخاص والأماكن دون التقيد بأحكام قانون الإجراءات الجنائية (المادة 3 من قانون الطوارئ). ولاشك أن هذه السلطة تشكل انتهاكا جسيما للحقوق والضمانات التي حرص الدستور المصري على تأكيدها في المادة (41) الخاصة بالحرية الشخصية، والمادة (44) الخاصة بحرمة المسكن، والمادة (50) الخاصة بحرية التنقل والإقامة، والمادة (54) الخاصة بحرية الاجتماع. كما تهدر العديد من الحقوق والضمانات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية الذي صادقت عليه الحكومة المصرية.

§      سلطة إنشاء محاكم استثنائية في حالة الطوارئ، وهى محكمة أمن الدولة الجزئية· ومحكمة أمن الدولة العليا (طوارئ) للنظر في الجرائم التي تقع بالمخالفة لأحكام الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم مقامه (المادة 7/1)، وإمكانية إدخال العنصر العسكري في تشكيل المحكمة (المادة 7/4).. وهو ما يعد مخالفة صريحة للمعايير الدستورية والدولية الخاصة بالفصل بين السلطات واستقلال القضاء وحصانة القضاة (المواد 165-173 من الدستور)، والمادة 14 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. كما يجوز لرئيس الجمهورية وفقا للمادة (9) من قانون الطوارئ أن يحيل إلى محاكم أمن الدولة العليا (طوارئ) الجرائم التي يعاقب عليها القانون العام، وفى ذلك مخالفة واضحة للمادة (40) من الدستور التي تنص على مبدأ "المساواة بين المواطنين" وما يتفرع عنه من حق كل مواطن في الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي الذي أكدته المادة (68) من الدستور.

§      وقد أعطت المادة (13) لرئيس الجمهورية سلطة حفظ الدعوى قبل تقديمها إلى المحاكمة، وأجازت له الأمر بالإفراج المؤقت عن المتهمين المقبوض عليهم قبل إحالة الدعوى لمحكمة أمن الدولة. كما حرمت المادة (12) المتهمين الطعن في الأحكام الصادرة من محاكم أمن الدولة، وهو ما يعد إخلال جسيما بحق المتهمين في الطعن في الأحكام أمام محكمة قضائية أعلى وفق المادة (14) من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية. كما قضت ذات المادة ألا تكون أحكام محاكم أمن الدولة نهائية إلا بعد تصديق رئيس الجمهورية، وهو تدخل غير مبرر في أعمال السلطة القضائية وانتهاكا لمبدأ الفصل بين السلطات، ويجعل تنفيذ الأحكام القضائية رهنا بمشيئة السلطة القائمة على حالة الطوارئ، وذلك من الأمور التي تأباها روح العدالة.

§      لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارئ أن يحيل إلى القضاء العسكري أيا من الجرائم المنصوص عليها في قانون العقوبات أو أي قانون آخر (المادة 6 من قانون الأحكام العسكرية)، وهو يعتبر مخالفة جسيمة لنصوص الدستور وأحكام العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية ولجميع المعايير الدولية بشأن استقلال القضاء التي تؤكد حق المتهمين في اللجوء أو المثول أمام قاضيهم الطبيعي وحظر جميع صور القضاء الاستثنائي. 

وانطلاقا من إصرار الحكومة المصرية على مد العمل، ووفقا للنقد الموجه في هذا الصدد، فإن  قانون الطوارئ هو أداة للحكم السياسي، أكثر من كونه أداة لمواجهة مخاطر فعلية تهدد المجتمع المصري. وثمة براهين على ذلك منها:

1-  استخدام قانون الطوارئ وغيره من القوانين المقيدة للحريات المدنية والسياسة لقطع السبيل أمام مشاركة فعالة في إدارة الشئون العامة للبلاد.

2-     تفعيل قانون الطوارئ في مواجهة المعارضين السياسيين، ممن ينتهجون منهجا سلميا في العمل السياسي.

3-   انتفاء المبررات التي طالما ارتكزت عليها الحكومة المصرية لمد العمل بقانون الطوارئ والتي ترتكز على ضرورات مكافحة الإرهاب، وقد أكدت المنظمة المصرية بأنها لم ترصد أية عمليات مسلحة بعد مذبحة الأقصر عام 1997. كما أن استخدام أحداث 11 سبتمبر للإيحاء بأن العمليات الإرهابية قد تمتد إلى مصر ليس له ما يبرره لا من الناحية السياسية أو القانونية. 

ومع انتفاء مبررات العمل بقانون الطورائ وغياب الرقابة على تنفيذه وطول أمده، فلم يبقى منه إلا  آثاره السلبية على واقع ومستقبل الديمقراطية وحقوق الإنسان في مصر.

أولا : التشريعات

قانون الجمعيات 84/2002 :

مع تزايد دور المنظمات غير الحكومية في مختلف المجالات التنموية والحقوقية، شهد عقد التسعينات جدلا واسعا حول مدى ملائمة قانون الجمعيات 32/1964 للتطورات التي شهدها مجال العمل الأهلي في مصر خلال عقدي الثمانينات والتسعينات. وقد تعرض هذا القانون لنقد شديد من داخل وخارج مصر لما يفرضه من قيود على العمل الأهلي، واعتبر أنه أحد الأطر القانونية المعرقلة لأي عمليات تنمية يمكن أن تشارك فيها المؤسسات الأهلية. ومع نهاية التسعينات استجابت الحكومة المصرية لهذه الضغوط، وأعلنت رغبتها في إصدار قانون جديد للجمعيات الأهلية في مصر. وبدأت الحكومة المصرية حوارات مع بعض ممثلي المنظمات غير الحكومية والجمعيات الأهلية، وبادر هؤلاء بتقديم مقترحات من أجل الخروج بقانون يتلاءم مع حجم وطبيعة الدور الذي يمكن أن تقوم به هذه المؤسسات في مجالات التنمية وحقوق الإنسان وحقوق المرأة.

وعلى غير المتوقع، وفى تجاهل واضح لكل مقترحات وتوصيات ممثلي المنظمات الأهلية، خرجت الحكومة المصرية بالقانون 153/1999 وأصبح بين عشية وضحاها ساري المفعول بعد أن صدق عليه رئيس الجمهورية في 27 مايو 1999. وقد اعتبر هذا القانون أسوأ من القانون السابق عليه فيما يتعلق بالقيود المفروضة على العمل الأهلي.

ولم يقدر لهذا القانون الاستمرار إلا لوقت قصير بعد أن قضت محكمة القضاء الإداري بإحالته إلى المحكمة الدستورية العليا للفصل في دستورية المادة الثانية منه. وبدورها قضت المحكمة الدستورية العليا في جلستها التي عقدت بتاريخ 3/6/2000 بعدم دستورية القانون.

وقد أفردت المحكمة في الحكم عدة مبادئ دستورية هامة كي يسترشد بها المشرع في إعداده للقانون الجديد، ولم تتطرق المحكمة للعوار الدستوري، كما ذكرت في الحكم. واكتفت بالحكم بعدم دستورية القانون السالف لعدم عرضه علي مجلس الشورى تأسيساً علي أنه من القوانين المكملة للدستور الواجب عرضها علي مجلس الشورى قبل إقرارها في مجلس الشعب.

وتورد المنظمة المصرية في هذا التقرير المبادئ التي أرستها المحكمة الدستورية العليا في حكمها الصادر بعدم دستورية قانون الجمعيات رقم 153 لـ 1999 م، بوصفها تعبيرا صادقا عن الحق في تنظيم الجمعيات، وكشفا للعوار الدستوري الذي امتد إلى القانون الجديد رقم 84 لـ2002م.*

المبدأ الأول : ذكرت المحكمة أن حق الفرد في تكوين الجمعيات هو حق أصيل ولا يجوز وضع قيود على ممارسة هذا الحق. وحيث أن المواثيق الدولية قد اهتمت بالنص علي هذا الحق من خلال م (20) من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان،  والمادة رقم (22/ 2) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية والتي حظرت وضع القيود علي ممارسة هذا الحق، وتؤكد المحكمة علي أن الدساتير المصرية المتعاقبة حرصت علي كفالة الحق في تكوين الجمعيات وهو ما نص عليه الدستور الحالي في المادة (55) أن للمواطنين الحق في تكوين الجمعيات على الوجه المبين بالقانون.

المبدأ الثاني: تناولت المحكمة حرص الدستور في أن يفرض علي السلطة التشريعية والتنفيذية من القيود ما ارتآه كفيلاً بصون الحقوق و الحريات العامة – وفي الصدارة منها حرية الاجتماع – كي لا تقتحم إحداهما المنطقة التي يحميها الحق أو الحرية أو تتداخل معها بما يحول دون ممارستها بطريقة فعالة.

المبدأ الثالث: أكدت المحكمة علي أن منظمات المجتمع المدني هي واسطة العقد بين الفرد والدولة إذ هي الكفيلة بالارتقاء بشخصية الفرد عن طريق بث الوعي ونشر المعرفة ومن ثم تربية المواطنين علي ثقافة الديمقراطية والتوافق في إطار من حوار حر بناء وتعبئة الجهود الفردية والجماعية لإحداث مزيد من التنمية الاجتماعية والاقتصادية والتأثير في السياسات العامة وتعميق مفهوم التضامن الاجتماعي ومساعدة الحكومة عن طريق الخبرات المبذولة.

المبدأ الرابع: حرصت المحكمة علن أن ترسخ مبدأ هام وهو أن حق المواطنين في تكوين الجمعيات الأهلية هو فرع من حرية الاجتماع وأن هذا الحق يتعين أن يتمخض عن تصرفً إرادي حر لا تتداخل فيه الجهة الإدارية بل يستقل عنها ومن ثم تفعل هذه الحرية إلي قاعدة أولية تمنحها بعض الدول – و من منها جمهورية مصر العربية – قيم دستورية في ذاتها لتكفل لكل ذي شأن حق الانضمام إلي الجمعية التي يري أنها اقدر علي التعبير عن مصالحة وأهدافه ليكون عضواً فيها وما هذا الحق إلا جزء لا يتجزأ عن حريته الشخصية، والتي أعلي الدستور قدرها فاعتبرها بنص م (41) من الحقوق الطبيعية وكفل صونها وعدم المساس بها.

المبدأ الخامس:تحدثت المحكمة في هذا المبدأ علي أن ضمان الدستور بنص م (47) لحرية التعبير عن الآراء بوصفها الحرية الأصل التي لا يتم الحوار المفتوح إلا في نطاقها وبدونها تفقد حرية الاجتماع مغزاها ولا تكون منها فائدة، ومن ثم فإن حق الاجتماع يتداخل مع حرية التعبير مكوناً لأحد عناصر الحرية الشخصية التي لا يجوز تقييدها بغير إتباع الوسائل الموضوعية والإجرائية التي يتطلبها الدستور أو يكفلها القانون، لازما اقتضاء حتى ولم يرد بشأنه نص في الدستور.

وعليه يعد حق المواطنين في تأليف الجمعيات الأهلية وما يستصبحه – لزوماً – بما سلف بيانه من حقوقهم وحرياتهم العامة الأخرى، هي أصول دستورية ثابتة، وأكدت المحكمة أن القضاء بعدم دستورية القانون برمته يكون متعيناً وذلك دون الحاجة إلي الخوض فيما اتصل ببعض نصوصه من عوار دستوري.

بمراجعة تلك المبادئ نجد أن المحكمة قد تحدثت في العديد من النقاط من كون القانون لم يعرض علي مجلس الشورى وإنما أشارت إليها لتنبيه المشرع إلي قصور تشريعي وحتى لا يقع في تلك الأخطاء مرة أخري. إلا أن البرلمان المصري، بأغلبيته التابعة للحزب الحاكم، لم يلتفت لما أوردته المحكمة من مبادئ دستورية هامة، وأصدر القانون 84 لسنة 2002 والذي صدق عليه رئيس الجمهورية في 5 يونيو 2002. ولم يتم إدخال إلا تعديل بسيط يتعلق باختصاص القضاء الإداري في الفصل في المنازعات بين الجمعيات والمؤسسات الأهلية وجهات الإدارة، فضلا عن الإجراء الشكلي الخاص بعرض القانون على مجلس الشورى قبل إصداره. وهكذا فقد جاء القانون رقم 84 لسنة 2002 مخيبا للآمال متضمناً العيوب الدستورية ذاتها التي شابت القانون السابق عليه.

مثالب قانون الجمعيات الأهلية رقم 84 لسنة 2002م

في ضوء المبادئ الدستورية السابق ذكرها، فقد تعددت الانتقادات التي وجهت لهذا القانون وانصبت هذه الانتقادات علي عدة نقاط كان أبرزها:

1.     ترسيخ القانون لفكرة إنشاء وتأسيس الجمعيات بترخيص من وزارة الشئون الاجتماعية وليست بالإخطار.

2.     التوسع في وضع قيود علي أغراض الجمعيات بالمخالفة للحظر الذي وضحه الدستور.

3.     استخدام الألفاظ والعبارات المطاطة والفضفاضة التي تتحمل أكثر من تأويل حيث يصعب أحكام وضبط معانيها.

4.     إعطاء وزير الشئون الاجتماعية المزيد من الاختصاصات الموسعة من ضمنها سلطة حل الجمعيات.

5.     التدخل في الاتحاد العام للجمعيات بجعل تعيين عشرة أفراد بقرار من رئيس الجمهورية.

6.  إهدار الحق في التقاضي حيث نصت م 7 من القانون علي إنشاء لجنة خاصة تختص دون غيرها بنظر كافة النزاعات الناشئة ما بين الجمعيات الأهلية والجهة الإدارية وذلك قبل عرضها علي القضاء ولا تقبل أي دعاوى دون عرضها علي هذه اللجنة والمنظمة ترى أن هذه اللجنة ما هي إلا وسيلة لتعطيل الحق في التقاضي وتأخير عرض الدعوى أمام القضاء الإداري مما يطيل في أمد الإجراءات.  

  ثانيا: الأحكام القضـائية

شهد عام 2002 م العديد من الأحكام القضائية ذات الصلة بحقوق الإنسان. وتناولت هذه الأحكام ما بين أحكام المحكمة الدستورية العليا وأحكام محكمة القضاء الإداري. وفيما يلي استعراض لأهم هذه الأحكام.

 أولاً ـ أحكام المحكمة الدستورية :

أصدرت المحكمة الدستورية العليا خلال عام 2002م خمسة أحكام حمل كل منها عدة مبادئ دستورية هامة.

1       - التنازع في الاختصاص بين السلطتين القضائية والتشريعية

أرست المحكمة الدستورية في 27/8/2002م مبدأ هام بشأن التنازع الايجابي ما بين اختصاص المحكمة الإدارية ومجلس الشعب في الفصل في عضوية أعضاء مجلس الشعب.فقد أكدت المحكمة الدستورية في حكمها أنه طالما قد صدر حكم نهائي من القضاء الإداري فإنه لا يوجد ثمة تنازع إيجابي في الاختصاص بينها وبين مجلس الشعب.

وكان أحد أعضاء مجلس الشعب قد طالب بتحديد الجهة المختصة بتقرير صحة عضويته في مجلس الشعب من عدمه بزعم أن هناك تنازع ايجابي في الاختصاص في نظر الطعن في صحة عضويته ما بين القضاء الإداري ومجلس الشعب. وأكدت المحكمة الدستورية على أنه مناط قبول دعوى تنازع الاختصاص الإيجابي هو نظر ذات الدعوى أمام جهتين من جهات القضاء أو الهيئات ذات الاختصاص القضائي وتظل كل منهما متمسكة باختصاصها بنظرها عند رفع الأمر للمحكمة الدستورية العليا. وبالتالي لا يجوز رفع الدعوى طالما أن هناك أي من الجهتين أصدرت حكما نهائيا وفصلت في الأمر المطروح عليها، أي أنه لم يعد هناك تنازع بين جهتين قضائيتين.

2   - دستورية قانون الطفل :

قضت المحكمة الدستورية العليا بتاريخ 13/2/2002م بدستورية قانون الطفل حيث أرست المحكمة من خلال حكمها هذا العديد من المبادئ الدستورية، كان أهمها:

 أ - أن المحاكمة المنصفة والحق في التقاضي وضمانه ترتبط جميعها برباط وثيق باعتبارها أسس رئيسية في إدارة العدالة حيث أن الدستور قد كفل الحق في المحاكمة المنصفة وأن المتهم برئ حتى تثبت إدانته، وهو ما يتفق مع نصوص الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، إذ استقر العمل بهذه القواعد والتي تقع في إطار مجموعة الضمانات الأساسية التي ترسى مفهوما للعدالة يتفق مع المقاييس المعاصرة المعمول بها في الدول الديمقراطية التي تتصل في ذات الوقت بالحرية الشخصية التي نص الدستور على أنه من الحقوق الطبيعية التي لا يجوز تقييدها أو الإخلال بها.

 ب - أكدت المحكمة على أن قانون الطفل رقم 12 لسنة 1996 أقر امتناع المسئولية الجنائية للطفل بالنسبة لمن لم يبلغ 15 سنة فلا يوقع عليه سوى بعض العقوبات على من يبلغ 15 سنة ولم يتجاوز السادسة عشرة. كما منع تطبيق عقوبات معينة على من بلغ 16 سنة ولم يتجاوز 18 سنة. وأشارت المحكمة إلى أن القانون خول للمحكمة المختصة النزول بالعقوبة وأوجب ندب محام للدفاع عن الحدث كما استهدف القانون الطفل وقاية من الانحراف وتقويم سلوكه.

3   - رفض دعوى عدم دستورية مادة الخلع :

بتاريخ 15/12/2002م أصدرت المحكمة الدستورية حكمها في دستورية مادة الخلع بسبب عدم إمكانية الطعن على أحكام تطليق الزوجات خلعا أمام المحاكم. وقد ذكرت المحكمة في حيثيات حكمها أن المادة الثانية من الدستور بعد تعديلها عام 1980 والتي نصت على أن مبادئ الشريعة الإسلامية هي المصدر الرئيسي للتشريع وقضت بذلك أنه لا يجوز لنص تشريعي أن يناقض الأحكام الشرعية القطعية في ثبوت دلالتها. وقد قررت المحكمة أن حق الزوجة في مخالعة زوجها وافتداء نفسها مقابل الطلاق قد ورد به نص قرآني كريم قطعي الثبوت والدلالة.. أما أحكام الخلع التفصيلية فقد سكت عنها المشرع لحكمة، فلذلك اجتهد الفقهاء في شأنها. فمنهم من ذهب إلى لزوم موافقة الزوج على الخلع وذهب فريق آخر إلى أن الأمر بالمفارقة كان أمر وجوبي فيقع الخلع إما برضاء الزوجين أو بدون موافقة الزوج وذلك بحكم ولى الأمر.

وقد أخذ المشرع بما ذهب إليه المذهب المالكي و أجاز للزوجة أن تخالع إذ ما بغضت الحياة مع زوجها وعجز الحكمان عن الصلح بينهما يخلعها القاضي من زوجها. أما الطعن على مقر التقاضي فى الخلع على درجة واحدة فإن هذا لا يناقض الدستور و إنما يدخل في إطار السلطة التقديرية التي يملكها المشرع في مجال تنظيم الحقوق بما مؤداه أن الوقوف بالتقاضي عند درجة واحدة استنادا إلى أسس موضوعية لا تنتقص من حق التقاضي الذي يكفله الدستور للناس كافة.

4   - عدم دستوريه القوانين المقيدة للحق في التقاضي :

أقرت المحكمة الدستورية في حكمين متعاقبين بتاريخ 22/9/2002م، 15/12/2002م عدم دستورية المادة 62/2 من القانون رقم 76 لسنة 1970 وهو قانون إنشاء نقابة الصحفيين وكذلك نص م 19 من القانون رقم 3 لسنة 1987 الخاص بنقابة المهن الرياضية.

فقد أقرت المحكمة عدة مبادئ لعل أهمها هو الذي تحدثت فيه المحكمة عن سلطة المشرع في مجال تنظيم الحقوق. فقد أكدت على أن سلطة المشرع هي سلطة تقديرية طالما بقيت حركتها محدودة بنطاق الضوابط الدستورية وجوهرها هو التفرقة بين تنظيم الحق وبين المساس به على نحو يهدره كليا أو جزئيا. وأكدت المحكمة على أن الحق في التقاضي هو من الحقوق الدستورية التي يجوز للمشرع أن يتدخل-وفى دائرة سلطته التقديرية- بتنظيمها على نحو يكفل بلوغ الغاية منه، وهو تحقيق العدالة ورد الحقوق إلى أصحابها دون أن يتجاوز هذا التنظيم حدود غايته، فينقلب إلى قيد يعيب هذا الحق الدستوري في أصل مضمونه أو جوهر وجوده.

كما قررت أن حق التقاضي هو حق مقرر للشخص الطبيعي وللشخص الاعتباري على السواء. وهو ما يجعل الأمر في شأن التنظيم القانوني الذي ينظم مباشرة الشخص الطبيعي لحقه في التقاضي محكوماً بأن يكون قوامه هو التعويل على إرادة هذا الشخص وحده وألا يعلق حقه في التقاضي على تدخل أرادات أخرى مع إرادته الفردية بما يجعل هذا التدخل إهدار لإرادته الفردية ومن ثم تقويضا لحقه في التقاضي

5 عدم دستوريه خروج قرارات اللجان الإدارية عن رقابة القضاء :

بجلسة يوم الأحد 22/9/2002م أصدرت المحكمة الدستورية العليا حكما هاما يقضى بعدم دستورية المادة الرابعة من القرار بقانون رقم 156 لسنة 1960 بتنظيم الصحافة فيما تضمنه من أن تكون قرارات لجان تقدير التعويض لأصحاب الصحف نهائية غير قابلة للطعن فيها بأي طريق من طرق الطعن.  وقد أكدت المحكمة مبدأ هام ألا وهو أن التقاضي حق مصون ومكفول للناس كافة. ولكل مواطن حق الالتجاء إلى قاضيه الطبيعي وتكفل الدولة تقريب جهات القضاء من المتقاضين وسرعة الفصل في القضايا، ويحظر النص في القوانين على تحصين أي عمل أو قرار إداري من رقابة القضاء.

وأكدت المحكمة على أن تشكيل اللجنة المناطة بها تقدير التعويض لأصحاب الصحف على نحو تكون رئاستها معقودة لمستشار من محكمة الاستئناف، فإنه طبقا لما قررته هذه المحكمة أن مجرد وجود عنصر قضائي لا يكفى بذاته لأن يسبغ عليها الصفة القضائية فإن اللجنة بذلك لا تخرج عن كونها لجان إدارية يتوجب فتح الطريق لأن تخضع قرارتها لرقابة القضاء.

ثانياً القضاء الإداري :

تابعت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أكثر من 70 حكماً قضائيا أصدرها القضاء الإداري ومجلس الدولة خلال عام 2002م  تجدر الإشارة هنا إلي الأحكام ذات الصلة بالحقوق والحريات. وفيما يلي بعض أهم هذه الأحكام:

1.  أرست محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية مبدأ هام وهو أنه لا يجوز للمحافظين غلق مكاتب المحامين إلا بمعرفة النيابة وقالت المحكمة أن المشرع وضع ضمانة جوهرية للمحامين تتمثل في حظر التحقيق مع المحامي أو تفتيش مكتبه إلا بمعرفة أحد أعضاء النيابة العامة.

2.  الجمعيات الأهلية هي المعبر عن الآراء الشعبية التي تساعد الحكومات في الدفاع عن مصالح مواطنيها هذا ما أكدت عليه محكمة القضاء الإداري، وطالبت الحكومة أن تترك للجمعيات غير الحكومية هامشا أكبر لتغطية النشاط الميداني وتوعية أعضائها وتنمية سلوكهم. وجاء ذلك في حكمها الذي قضت بموجبه إلغاء قرار محافظ الإسكندرية بحل إحدى الجمعيات الأهلية.

3.  قررت محكمة القضاء الإداري بحكمها الصادر في إبريل 2002 م إيقاف تنفيذ قرار وزيرة التأمينات والشئون الاجتماعية بحل جمعية أسرة المستقبل. وأكدت المحكمة في أسباب حكمها أن ممارسة الجهة الإدارية سلطتها للإشراف على تلك الجمعيات بشرط لا تعنى المساس بحق المواطنين في تكوين وإدارة الجمعيات بحيث لا تتحول السلطة الإدارية إلى سلطة تحكمية أو تقيد الجمعية بقيود تفقدها استقلالها الذي هو أساس وجودها.

4.  أكدت محكمة القضاء الإداري بالإسكندرية على أن حرية عقد الاجتماعات من الحقوق الدستورية الأصلية للمواطنين أفراد أو جماعات وكانت المحكمة قد ألزمت وزارة الداخلية بأن تؤدى مبلغ 8 الآلف جنيه تعويض لأحد المواطنين لتعرضه للاعتداء من قبل رجال الأمن أثناء حضوره لأحد الاجتماعات العامة.

5.  ألغت محكمة القضاء الإداري قرار وزير الإعلام بمنع إحدى الصحف من التداول داخل جمهورية مصر العربية تأسيسا على أن قرار وزارة الإعلام كان بناء على أن جريدة أنباء الشرق الأوسط صدر منها أعداد لم يتم عرضها على جهاز المطبوعات، وقد أوضحت المحكمة أن ما زعمته الجهة الإدارية كسبب لصدور القرار من نشر عناوين مثيره بالجريدة لا تقوم على سند من واقع أوراق الدعوى.

6.  المحكمة الإدارية العليا تؤكد من جديد على حق السجناء في الزيارة ورفضت المحكمة الطعون والمبررات المقدمة من وزارة الداخلية لإغلاق السجون في وجه الزيارات أو منع أقارب المسجونين من زيارتهم منعاً مطلقا لا يتقيد بمدة محددة ويمنع التواصل الاجتماعي بين المسجون وذويه بالخارج والذي هو تواصل أيضا للمسجون مع العالم الخارجي.

7.  قضت محكمة القضاء الإداري بحق المحامين في زيارة السجناء والمعتقلين على انفراد وبلا حواجز وكان الحكم بناءً على دعوى قضائية أمام القضاء الإداري لإلغاء قرار وزارة الداخلية برفع حاجز من السلك يحول دون الاتصال المباشر بين المحامين والمساجين.

8.  قضت محكمة القضاء الإداري بإلزام كل من وزير الداخلية ومدير مصلحة السجون ورئيس جامعة القاهرة بالسماح لأربعة من المعتقلين السياسيين بأداء الامتحانات الجامعية، وأكدت المحكمة على أن المشرع أوجب على إدارة السجن تشجيع المسجونين على الإطلاع والتعليم وأن تيسر لهم الاستذكار وتسمح لهم بتأدية الامتحانات، وأوضحت أن المشرع لم يفرض ذلك عبثا وإنما أراد به المصلحة العامة للمجتمع لمحاولة تأهيل هؤلاء المسجونين وتهذيبهم، وأضافت المحكمة أن المدعين طلاب بكليات جامعة القاهرة المختلفة وأن اعتقالهم وعدم السماح لهم بأداء الامتحانات يصيبهم بأضرار مادية ومعنوية يتعذر تداركها.

9.  أكدت عليه محكمة القضاء الإداري أن الامتناع عن تنفيذ أحكام القضاء جريمة جنائية وأن الدستور المصري لم يترك أمر تنفيذ الأحكام القضائية لإدارة تشريعية تدنوه.أن الامتناع عن تنفيذه جريمة جنائية واعتداء صارخ على سيادة الشعب مصدر السلطات والذي تصدر باسمه جميع الأحكام.

10.     أوقفت محكمة القضاء الإداري تنفيذ قرار منع مواطن من السفر وكانت المحكمة قد استندت إلى أن المشرع الدستوري قد أعلى من شأن حريات الأفراد ومنها حرية السفر والتنقل وأن سلطة جهة الإدارة في المنع من السفر مشروطة بألا يستهدف المواطن ممارسة هذا الحق هروبا من أداء الواجب أو تهربا من ملاحقة قضائية أو سعيا للنيل من سمعه البلاد. وقد أعابت المحكمة على قرار جهة الإدارة بمنع المواطن من السفر والذي استندت الإدارة فيه إلى تحريات مرسله  -حسب ما قررته المحكمة- تصورها الإدارة في صورة الادعاء بالفكر المتطرف.

11. الاختفاء القسري وأحكام القضاء الإداري: أصدرت محكمة القضاء الإداري الدائرة الأولى بجلسة الثلاثاء الموافق 26/11/2002م حكماً تاريخياً ألزمت فيه وزارة الداخلية بدفع مبلغ 100 ألف جنيه لأسرة معتقل لم يعثر عليه داخل السجن منذ عام 1989 والذي اعتبرته المحكمة مفقوداً. وأكدت المحكمة على عدة مبادئ كان أهمها أنه إذا ما تم إلقاء القبض على مواطن أو اعتقاله يكون هذا المواطن تحت سيطرة السلطات الأمنية لا فكاك منها، ومقابل هذه السيطرة مسئولية تلك السلطات عن حياة وكرامة المقبوض عليه أو المعتقل. وتظل هذه المسئولية قائمة إلى أن يتم الإفراج عنه وخروجه من هذه السيطرة وعليه فثمة التزامات دستورية وقانونية على الجهة الإدارية بالحفاظ على حياة وكرامة المعتقل. وقررت المحكمة على أن حجب وزارة الداخلية بإرادتها المنفردة وما لها من سلطات عامة عن المدعية كل المعلومات عن نجلها المعتقل الأمر الذي يشكل بالنسبة له اختفاءاً قسريا مما يعد انتهاكا صارخا ومستمرا لحقوق الإنسان وحرياته الأساسية التي كفلها الدستور والمواثيق والعهود الدولية. وإخلالا جسيما بالتزامها بالإرشاد عنه وإعطاء كافة المعلومات بشأنه وتمكين ذويه من الوصول إليه ومعرفة مصيره حياً كان أو ميتاً.

ثالثا: الإجراءات

أصدر النائب العام خلال عام 2002 م تعليمات لأعضاء النيابة علي مستوي الجمهورية نذكر منها قرارين يتصلان بمجال عمل المنظمة وهما :

1 –     السماح للمحامي بالإطلاع علي التحقيقات قبل مواجهة موكله.

أكد المستشار ماهر عبد الواحد النائب العام علي أنه لا يجوز الفصل بين المحامي والمتهم الحاضر عنه وأوجب السماح للمحامي بالإطلاع علي التحقيقات في اليوم السابق علي الاستجواب أو المواجهة ما لم يقرر القاضي غير ذلك. وأضاف النائب العام أن حق الدفاع مكفول لكل مواطن بحكم الدستور الأمر الذي يجب وضعه دائماً موضع التنفيذ والعمل علي إزالة أية عقبات تعترض سبيله. وطالب بالسماح للمحامي الإطلاع علي التحقيق حتي اليوم السابق علي استجواب المتهم أو مواجهته بغيره من المتهمين أو الشهود حتي يحاط الدفاع بما يجري في التحقيقات حرصاً علي أداء واجبه وصولاً إلي الحقيقة التي ينشدها المجتمع. وقد عبرت المنظمة المصرية عن ترحيبها بهذا القرار لاتفاقه مع ما سبق وإن طالبت به من أعمال نص م 125 من قانون الإجراءات الجنائية حماية للحق في الدفاع.

2 –     ضرورة إخطار المكتب الفني للنائب العام فوراً بالبلاغات المقدمة ضد ضباط الشرطة.

رحبت المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بما أصدره النائب العام من تعليمات مشددة إلي أعضاء النيابة العامة بضرورة أخطار المحامي العام تليفونياً بكافة البلاغات والشكاوى التي تقدم ضد ضباط الشرطة علي أن يلحق بهذا الإخطار تقرير موجز ودقيق حول كل ما ينبغي الإحاطة به من وقائع ومجريات التحقيق وأن يقوم أعضاء النيابة بمباشرة التحقيق بأنفسهم. وأضاف النائب العام علي أنه قد تلاحظ من خلال نظر القضايا التي تتعلق بضباط الشرطة والتي ترد إلي المكتب الفني للنائب العام لاستطلاع الرأي والتصرف لا تتضمن الإخطار بموضوعات تلك القضايا.

والجدير بالذكر أن بلاغات التعذيب التي تقدم إلي النيابات لا يتم تحريكها إلا بناء علي قرار النائب العام وعليه فإن المنظمة تري أن هذه التعليمات الجديدة قد تساهم في مواجهة جرائم التعذيب في مصر.


[1] بدأ إعلان حالة الطوارئ عام 1981 عقب اغتيال الرئيس المصري الراحل محمد أنور السادات، ومنذ ذلك الحين ويجرى تجديد العمل بقانون الطوارئ كل ثلاث سنوات كان آخرها قبل صدور هذا التقرير في  23/2/2003 حيث يتواصل العمل بالقانون حتى عام 2006.

· تجدر الإشارة إلي انه خلال عام 2003 وأثناء إعداد التقرير تم تقديم مشروع قانون من الحكومة إلى مجلس الشعب بشأن إلغاء قانون 105 لسنة 1980 الخاص بإنشاء محاكم امن الدولة، وبالتالي تبقي محاكم أمن الدولة المنشأة بموجب قانون الطوارئ.

* راجع حكم المحكمة الدستورية العليا رقم 153 لسنة 21 قضائية دستورية جلسة 3/6/2000 والذي قضى بعدم دستورية القانون 153 لسنة 1999.

محتويات التقرير
  • المقدمة
    القسم الأول
  • التشريعات والأحكام والاجراءات
    القسم الثاني
  • الحق في الحياة
  • الحرية والأمان الشخصي
  • الإختفاء القسري
  • معاملة السجناء والمحتجزين
  • المحاكمة المنصفة
  • حرية رأي وتعبير
  • التجمع السلمي
  • الحق في المشاركة
  • حق تكوين الجمعيات والاحزاب
  • حقوق اجتماعية واقتصادية
    القسم الثالث
  • النشاط الميداني
  • عودة التقرير السنوي
  • الصفحة الرئيسية حقوق الطبع محفوظة © المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
    8/10 شارع متحف المنيل - منيل الروضة - القاهرة - مصر
    هاتف : 3636811 - 3620467(202 ) ... فاكس : 2023621613