











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
"الحزب الوطني" وتغييب قضايا الأمة
|
نشرت بجريدة المصرى اليوم 29 سبتمبر 2004
خيب مؤتمر الحزب الوطني آمال وتطلعات العديد من القوى السياسية والمجتمعية في الخروج بمبادرات جادة لإصلاح سياسي شامل وحقيقي يحقق تداول سلمي للسلطة وتعددية حزبية فعالة وانتخابات حرة ونزيهة ، وبما يمثل تطبيق عملي لمقولة الحزب الوطني بضرورة الإصلاح النابع من الداخل ، فقد جاءت الإصلاحات التي قدمها الحزب في مؤتمره السنوي إصلاحات جزئية ولا تلبي المطالب التي قدمتها القوى الوطنية بشأن القوانين التي ناقشها الحزب ، فعلى سبيل المثال رفض الحزب إلغاء قانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993 ، مكتفياً بإصلاحيات شكلية رغم اعترافه بالأثر السلبي للقانون على عمل وفعالية النقابات ، الأمر ينطبق على اقتراحات الحزب بشأن تعديل قانون الأحزاب رقم 40 لسنة 1977 ، فقد اكتفى بالمطالبة بإعادة تشكيل لجنة شؤون الأحزاب ، وذلك برغم مطالبة العديد من القوى السياسية المختلفة ومؤسسات المجتمع المدني بإلغائها لاعتبارها عائقاً رئيسياً أمام التطبيق الفعلي لحرية وحق تكوين الأحزاب في مصر ، فاللجنة تجعل من مسألة التعددية الحزبية المنصوص عليها في الدستور المصري مجرد مسألة ديكورية وشكلية ، فهي التي توافق على قيام أو إنشاء حزب أو تعترض على تأسيسه ، وكذلك اقتراح الحزب بشأن تعديل قانون مجلس الشعب رقم 38 لسنة 1972 والخاص بالسماح للمتهربين من التجنيد بإعادة الترشيح لمجلس الشعب والذي جاء مخالفاً لقرار المحكمة الدستورية العليا ببطلان عضوية النواب الهاربين من التجنيد ، مؤكدة أن أداء الخدمة العسكرية أو الإعفاء منها شرط أساسي للترشيح لمجلسي الشعب والشورى .
والجدير بالذكر أن هذه ليست المرة الأولى التي يقوم فيها الحزب بإدخال تعديلات على القوانين سالفة الذكر التي تعتبر أشبه بـ"مسكنات" للرأي العام المصري ، وتحاشياً منه الخوض في الموضوعات الرئيسية للإصلاح مثل تعديل الدستور ، وإلغاء حالة الطوارىء فمن خلال متابعة التصريحات والمناقشات لمسؤولي لجنة السياسات بالحزب الوطني والتي سبقت وأعقبت المؤتمر يظهر أن الأخير كان أقرب إلى " احتفال سياسي" يستهدف تحقيق أهداف انتخابية معينة ، أكثر من تقديمه إصلاح سياسي شامل طال انتظاره ، حيث أغفل الحزب أو تجنب الخوض في مطالب مجتمعية أساسية من الصعب تحقيق إصلاح سياسي بدونها ولعل أهمها،الإصلاح الدستوري ليتسنى تعديل طريقة انتخاب رئيس الجمهورية لتكون بالاقتراع الحر المباشر بين أكثر من مرشح ، وإلغاء حالة الطوارئ المعمول بها في البلاد منذ 23 عاماً، وضمان نزاهة العملية الانتخابية . فهذه القضايا الثلاث غيبت عن جدول أعمال مؤتمر الحزب الوطني برغم أهميتها وضروارتها لاسيما في المرحلة الحالية باعتبارها حجز الزاوية في عملية الإصلاح .
فبالنسبة للإصلاح الدستوري ، قبيل انعقاد المؤتمر السنوي للحزب نفى جمال مبارك أمين السياسات بالحزب الوطني أن يكون موضوع تعديل الدستور مطروحاً على أجندة أعمال المؤتمر ، وبعد بدء فعاليات المؤتمر أكد صفوت الشريف الأمين العام للحزب الوطني أن تعديل الدستور وإلغاء حال الطوارئ "ليس من اولويات الحزب في المرحلة الحالية" ! .
وجاءت هذه التصريحات لتؤكد أن تعديل الدستور الحالي ليس الشغل الشاغل للحكومة بل هناك أمور أخرى أهم تشغل بالها ، في حين أنه من الملاحظ وجود شبه إجماع بين القوى السياسية المختلفة على ضرورة الإصلاح الدستوري بالبلاد والذي يعد جوهر ولب الإصلاح السياسي ، ولعل الحكومة المصرية تدرك ذلك جيداً ، ولكنها تريد الإبقاء على الدستور الحالي لإتاحة الفرصة أمام الرئيس مبارك للانتخاب لفترة ولاية خامسة .
وحقيقة الأمر ، فإنه يتوجب تعديل الدستور للمثالب والعيوب التي تعتريه متمثلة في طريقة اختيار رئيس الجمهورية والسلطات الواسعة التي يمتلكها دون أي مسئولية، والمادة (74) التي التي تعطي لرئيس الجمهورية سلطات استثنائية، وكذلك المادة "94" التي تقضى باختصاص مجلس الشعب بمفرده في الفصل في صحة عضوية أعضائه، وتعتبر هذه المادة عداوناً علي اختصاص المحاكم التي تتمتع وحدها ببيان حكم القانون، مع تطبيقه فيما يثار من منازعات في هذا الصدد. فضلاً عن فلسفة وروح الدستور التي لا تتماشى مع الواقع المصري المعاش حالياً ، فمازال الدستور يتحدث عن الاشتراكية وسيطرة الدولة على وسائل الإنتاج ، برغم تحول مصر من نظام الاقتصاد المركزي إلى اقتصاديات السوق المفتوح ، أما على المستوى السياسي ، فالتعددية الحزبية معمول بها حالياً بالبلاد ،وكذلك لم يحدد الدستور أسلوب لمسألة الوزارة والوزراء سياسياً وجنائياً.
أما عن إلغاء حالة الطوارىء ، فأكد الشريف أن الإصلاح السياسي لا يقيده قانون الطواريء والذي يطبق في الإرهاب فقط ، وليس مطروحاً في هذه المرحلة أن يمس قانون الطوارىء على حد قوله ، الأمر الذي يدعو للاستغراب كأننا نعيش في دولة أخرى غير التي يتحدث عنها مسؤولي الحزب الوطني ، فكيف لا يتعارض الإصلاح السياسي مع استمرار حالة الطوارىء ، هذه الحالة التي يتعطل فيها حكم القانون والدستور ، وتصادر الحريات بقرار من السلطة التنفيذية أينما تشاء ، فالإصلاح والطوارىء نقيضان لايجتمعان ، فقانون الطوارىء رقم 162 لسنة 1958 يعتبر بمثابة الأداة التي تستخدمها السلطة التنفيذية للعصف بمنظومة الحقوق التي يكفلها الدستور المصري ، وتلك الحقوق التي خصص لها مؤتمر الحزب الوطني وثيقة سميت بـ"وثيقة حقوق المواطنة" والتي تضمنت 19 حقاً ولكن لم تشر إلى آليات تنفيذها وحمايتها من الناحية الفعلية ، بل وقد أضحى هذا القانون الدستور الحقيقي للبلاد .
ومن ناحية ثانية ، فإن استمرار استخدام الإرهاب كذريعة لاستمرار حالة الطوارىء ، قد أصبح حديث لا معنى له ، لاسيما وأن المجتمع المصري لم يشهد عملاً إرهابياً منذ عام 1997 ، فضلاً عن أن القانون الجنائي كفيل بمواجهة أي خروج على القانون والشرعية .
ولعلني أتسأل كيف لا يقيد قانون الطوارىء الإصلاح السياسي في مصر ، وهو يمنح الحكومة سلطات واسعة لتعطيل الحريات الأساسية، بما في ذلك:
- إلقاء القبض على المواطنين، متى وكيفما تشاء السلطات، واعتقالهم فترات طويلة دون محاكمة.
- إحالة المدنيين إلى القضاء العسكري أو محاكم أمن الدولة طوارىء التي تفتقد إجراءاتها إلى حد بعيد عن الوفاء بالمعايير الدولية للمحاكمة العادلة والمنصفة .
- حظر الإضراب والمظاهرات والاجتماعات العامة وكافة أشكال التجمع السلمي .
- فرض رقابة على الصحف أو إغلاقها باسم الأمن القومي.
* مراقبة المراسلات والبريد والتصنت على المكالمات الهاتفية .
وبالنسبة لقانون مباشرة الحقوق السياسية رقم 73 لسنة 1956 والتعديلات التي أدخلت عليه، فهي تبقى تعديلات جزئية وغير جوهرية ، إذ ينبغي توافر ضمانات معينة لضمان حرية ونزاهة الانتخابات ، بدءاً من إعداد جداول الناخبين إلى التصويت والفرز وإعلان النتائج وفقاً لضوابط قانونية سليمة ، وإعداد صناديق زجاحية للانتخابات إعمالاً للنزاهة والشفافية ، وإنشاء هيئة عليا للانتخابات من قضاة تختص بإجراء الانتخابات العامة والاستفتاءات بدءاً بإعداد كشوف الناخبين وانتهاء بإعلان النتائج، على أن يوضع تحت تصرفها الأجهزة الإدارية اللازمة بما في ذلك قوات الشرطة.كما كان من الضروري بمكان تعديل قانون الانتخاب بحيث يصبح بالقائمة النسبية غير المشروطة على مستوى الدائرة الانتخابية على أن يكون القضاء وحده هو المختص بالفصل في الطعون الانتخابية وتقرير صحة العضوية بأحكام ملزمة للجميع.
ونهاية ، نؤكد أنه لا يمكن تحقيق إصلاح سياسي شامل في البلاد بعيدا عن الإصلاح الدستوري ، بهدف تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات، وتعزيز الدور الرقابي للسلطة التشريعية على السلطة التنفيذية ، والعمل على تعزيز الاستقلال الكامل للقضاء كما يتطلب الأمر تعديل النصوص الخاصة بانتخاب رئيس الجمهورية ونوابه ليتم بالاقتراع الحر المباشر بين أكثر من مرشح ، وتحديد وتقليص السلطات المطلقة لرئيس الجمهورية، وإلغاء المادة 74 من الدستور، وإلغاء حالة الطوارىء وقصر إعلانها في حالة الحرب الفعلية والكوارث العامة فقط ، ولفترة محدودة لا يتم تجديدها إلا بشروط دقيقة وتحت رقابة حقيقية وفعلية للسلطة التشريعية ، وكذلك ضمان نزاهة العملية الانتخابية ، وإطلاق حرية تشكيل الأحزاب السياسية عبر إلغاء لجنة شؤون الأحزاب المشكلة طبقاً للقانون رقم 40 لسنة 1977 ، وإلغاء قانون النقابات المهنية رقم 100 لسنة 1993 المسمى بـ"قانون ضمانات ديمقراطية النقابات المهنية"! المعدل بالقانون 5 لعام 1995 ، وكذلك قانون الجمعيات الأهلية رقم 84 لسنة 2002 ، وقانون التجمهر رقم 10 لسنة 1994 ، وإلغاء كافة القوانين المقيدة لحق إصدار الصحف وتداولها ، بمعنى آخر فإنه لا إصلاح دون إصلاح البينة الهيكلية للدولة ذاتها من مؤسسات وأحزاب ونقابات وغير ذلك ، ودون أيضاً إشراك القوى السياسية والمجتمعية في عملية صنع القرار، لأن الأمور لم تعد تحتمل التأجيل أكثر من ذلك ، فالإصلاح الطريق الوحيد لتفادي أزمات كثيرة قد يتعرض لها المجتمع المصري سواء على المستوى الداخلي أو الخارجي ، فقد أضحى بمثابة ضرورة حتمية تفرضها احتياجات البيت من الداخل ، وكذلك طبيعة وشكل العلاقة مع الخارج ، ولعل هذا يقودنا لطرح تساؤلاً مفاده، لماذا نريد الإصلاح ؟ هذا ما سنجيب عليه في الحلقة القادمة .
|
|
|