











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
الإصلاح الدستوري من هنا نبدأ
|
نشرت بجريدة المصر اليوم بتاريخ 14 أكتوبر 2004
لا نعرف سبباً واحد لإصرار الحزب الحاكم على رفض مطلب القوى السياسية وأحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني الخاص بتعديل الدستور المصري، لا سيما وأن هذا الموقف أعلن قبل بدء حوار واسع بين الحزب الوطني وتلك القوى وذلك وفقاً لتصريحات الأمين العام للحزب السيد صفوت الشريف ، وهذا الرفض يعنى إفراغ الحوار من مضمونه أو بالأحرى إدارة حوار -من طرف واحد - حول برنامج الإصلاح الذي أعلنه الحزب الوطني في مؤتمره الأخير وتجاهل مشاريع الإصلاح المقدمة من الأحزاب السياسية.
والتساؤل الذي يطرح نفسه هل يمكن تحقيق إصلاح حقيقي بالبلاد دون تعديل نصوص الدستور ، والاكتفاء بتعديل قوانين الأحزاب السياسية والنقابات ومباشرة الحقوق السياسية -مثلما حدث بالمؤتمر السنوي الأخير للحزب الوطني - برغم أن هذه التعديلات لم تقدم أي جديد يذكر ، بل وأثبتت فشلها عند أول اختبار عملي ، فعلى سبيل المثال رفضت لجنة شؤون الأحزاب الخاص تأسيس حزبين جديدين هما حزب "الوسط الجديد" وحزب " الكرامة العربية"، وذلك استناداً إلى نصوص القانون رقم 40 لسنة 1977 .
في حقيقة الأمر ، إن الإجابة تتطلب أن نحدد أولاً ماهية الهدف الذي نرغب في تحقيقه من وراء الإصلاح ، وثانياً كيفية تحقيقه ، بالنسبة للهدف تكاد تتفق جميع القوى السياسية وأحزاب المعارضة ومؤسسات المجتمع المدني على ضرورات أساسية للإصلاح آلا وهي تحقيق الديمقراطية السياسية والمشاركة السياسية الواسعة للمواطنين، وتعزيز الفصل بين السلطات،
والتداول السلمي للسلطة عبر انتخابات حرة ونزيهة تعكس إرادة الجماهير دون تزيف, وأن تكون الحكومة مسئولة أمام الشعب الذي يملك من خلال برلمانه سحب الثقة منها ومحاسبتها ومحاسبة المسئولين التنفيذيين فيها، وهو ما يعرف بالدور الرقابي للبرلمان بالإضافة إلى الدور التشريعي الذي يملك فيها البرلمان إصدار التشريعات وإلغائها ، كما أنه هو الذي يحدد السياسية العامة للدولة، فهل الدستور المصري الحالي يسمح بتحقيق هذه المعايير الديمقراطية ، أم أننا أمام حالة من الهيمنة على السلطة التشريعية من قبل السلطة التنفيذية تستند فيها الأخيرة على مواد الدستور ؟ .
ومن الواضح أنه حتى نستطيع تحقيق تلك الأهداف والغايات ، فلابد من إصلاح الدستور فهو
المدخل الرئيسي لأي إصلاح في أي مجال آخر، وهنا يمكن التمييز بين منهجين فرعيين: منهج الحد الأقصى، والذي يرى ضرورة البدء بتغيير الدستور بهدف تحقيق مبدأ الفصل بين السلطات وإعلاء دور السلطة التشريعية في الرقابة ومحاسبة السلطة التنفيذية وكذلك كيفية اختيار رئيس الدولة خلال مدة زمنية معنية ، ومنهج الحد الأدنى، الذي يرى أنه يمكن البدء بانتخابات محلية نزيهة والتدرج وصولاً إلى تحقيق النزاهة في انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) ثم انتخاب رئيس الدولة من بين أكثر من مرشح. ورغم أن الخلاف بين المنهجين يستند بالأساس لافتقاد المنهج الثاني إلى برنامج زمني محدد لآلية الانتقال الديمقراطي ، بينما المنهج الأول يحدد آلية واضحة ومحددة للانتقال .
وترجع الرغبة في تحقيق الإصلاح الدستوري بالبلاد لعدة أسباب ، أولهما غياب الدور الرقابي للبرلمان المصري على السلطة التنفيذية وضعف أدائه ، فبقراءة سريعة لمواد الدستور، يتضح لنا أن المادة 115 منه تنص على أنه لا يجوز لمجلس الشعب أن يعدل مشروع الموازنة إلا بموافقة الحكومة، كما أن المجلس لا يقر ببيان الحكومة وفقاً لنص المادة 133 ، وبشكل واضح تحدد المادتين 137، 138 أن رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية وهو الذي يضع السياسة العامة للدولة بالاشتراك مع مجلس الوزراء ويشرف على تنفيذها، وكذلك برغم أن المادة 81 من الدستور تنص على أن مجلس الشعب يتولى سلطة التشريع إلا أن الواقع يشير إلى عكس ذلك، نتيجة هيمنة السلطة التنفيذية ، مما جعل الدور التشريعي بأكمله يدخل ضمن اختصاصات الحكومة أيضاً .
أما الدور الرقابي للسلطة التشريعية على نظيرتها التنفيذية فقد تم تقيده تماماً ، فعلى سبيل المثال المادة 127 من الدستور الخاصة بتقرير مسئولية رئيس مجلس الوزراء فإذا قرر المجلس المسئولية يرفع تقريرا بذلك لرئيس الجمهورية ولرئيس الجمهورية أن يرد التقرير إلى المجلس خلال عشرة أيام فإذا عاد المجلس إلى إقراره من جديد يتم وقف جلسات المجلس ويعرض الرئيس النزاع على الاستفتاء وإذ جاء الاستفتاء لصالح الحكومة يحل مجلس الشعب بمعنى أدق فأن المجلس مهدد بالحل إذا لجأ إلى تقرير مسئولية رئيس الوزراء ويعاقب المجلس بوقف جلساته والتهديد بحله . ويوضح هذا النص السبب في عدم قيام المجلس بأي إجراء إزاء وقائع الفساد التي أتهم فيها مسئولين ووزراء. نكتفى بهذا المثال ذى الدلالة الواضحة، فأننا ولضيق المساحة لا نستطيع أن نستعرض كل نصوص الدستور التي تضعف السلطة التشريعية لصالح السلطة التنفيذية.
ثانيهما : السلطات الواسعة لرئيس الجمهورية ، ففي دراسة شاركت في إعدادها حول الانتخابات البرلمانية الأخيرة، خلصت إلى أن من مجموع خمسة وخمسين مادة في الدستور تتضمن صلاحيات أو سلطات أختص رئيس الجمهورية بحوالي 35 صلاحية بما نسبته63 % من إجمالي الصلاحيات والسلطات مع العلم ان رئيس الجمهورية هو رئيس السلطة التنفيذية بينما ترك للسلطة التشريعية بمجلسيها ( الشعب والشورى ) 14 صلاحية.
ثالثهما : فلسفة وروح الدستور التي لا تتماشى مع الواقع المصري المعاش حالياً ، فالدستور الحالي يتضمن العديد من المواد التى تم تعطيل العمل بها بموجب السياسات الاقتصادية التى تبنتهاالحكومة والتى استبدلت بها النظام الاقتصادى من النظام الاشتراكى الديمقراطى الى نظام السوق (الفصل الثاني من الباب الثانى تحت عنوان المقومات الاقتصادية-المواد من 23الى 27) .
ونهاية ، فإن الإصلاح الدستوري المطلوب يهدف بالأساس إلى إعادة هيكلة السلطة في مصر ليحقق التعادل بين السلطات مع هيمنة نسبية للسلطة التشريعية على السلطة التنفيذية، لتراقب أدائها وتحاسبها، فالسلطة لا تحدها الا سلطة اخرى، ومحاربة الفساد لا يمكن أن تتم وأعضاء السلطة التنفيذية لديهم نفوذ وقوة تفوق قوة ونفوذ الشعب ذاته ممثلا في مجلسه وبرلمانه. كما أن طريقه انتخاب رئيس الجمهورية أيضا في حاجة إلى تعديل بما يسمح بانتخابه بين متنافسين وبالطريق المباشر من الشعب، وكذلك انتخاب نائب الرئيس لما له من صلاحيات واضحة في الدستور لا يمكن تجاوزها فهو الذي يحل محل الرئيس في حالة وجود مانع مؤقت يحول دون مباشرة الرئيس لاختصاصاته وفقاً للمادة 82 من الدستور.
وقد حدد الدستور طريقة تعديله وفقا لنص المادة 189 الذي أعطى لرئيس الجمهورية ومجلس الشعب حق طلب تعديل مادة أو أكثر من مواد الدستور وقد سبق وأن تم تعديل الدستور عام 1980 لإضافة المادة 5 التي تنص على أن النظام السياسي في جمهورية مصر العربية يقوم على أساس تعدد الأحزاب كما تم تعديل النص الخاص بمدة الرئاسة لتصبح لمدد أخرى بدلا من مدتين.والآن أقل من عام تفصلنا عن نهاية مدة رئاسة الجمهورية الحالية فإذا توافرت إرادة سياسية للمضي قدما في طريق الإصلاح الديمقراطي فلنبدأ الحوار على أساس تعديل الدستور من خلال الحوار الوطني بين الأحزاب ومؤسسات المجتمع المدني وقادة الفكر والرأي ، نحدد فيه المواد المطلوب تعديلها ،وفلسفة التعديل، وأهدافه، بما يحقق انتقالا ديمقراطيا للمجتمع المصري ويخرجه من النفق المظلم، وأن تجرى الانتخابات القادمة سواء انتخاب رئيس الجمهورية أم مجلس الشعب على أساس التعديل الدستوري الجديد، فهل يراجع الحزب الوطني لائاته الثلاث وإصراره على رفض مناقشة تعديل الدستور قبل فوات الأوان . وللحديث بقية.
|
|
|