











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
نشرت بجريدة المصر اليوم بتاريخ 28 أكتوبر 2004
من أبجديات العمل السياسي في أي دولة من دول العالم الاتصال الجماهيري, فأحد الأدوار والمهام التي من المفترض أن تقوم بها الأحزاب السياسية السعي للحصول على تأييد جماهيري لبرامجها ومطالبها السياسية والاقتصادية وغيرها ، والتي تسعى الأحزاب فيما بعد لتحويلها إلى سياسات وقرارات وقوانين عندما وصولها للحكم عبر صندوق الانتخاب باعتباره مرآة الجماهير وعاكساً لإرادتها ومطالبها الوطنية .
ولكن بمراجعة الواقع المصري ، نجد أن الحكومة تتعامل بمنهج وأسلوب مختلف مع الأحزاب السياسية ، آلا وهو المنهج الإقصائي والإستبعادي عن العمل السياسي ، وهذا ما اتضح مؤخراً في قرار وزارة الداخلية والذي قضى بمنع أحزاب المعارضة من عقد مؤتمرها الجماهيري الذي كان من المفترض عقده بميدان عابدين يوم الرابع من نوفمبر المقبل ، بهدف عرض هذه الأحزاب لمبادرتها الخاصة بالإصلاح السياسي على الرأي العام المصري.وليست هذه الواقعة الأولى لأحزاب المعارضة مع الحكومة المصرية والتي تؤكد صحة إتباعها للمنهج الإقصائي معها ، فقد سبقها وقائع كثيرة ، نذكر منها إعلان الحزب الوطني الحاكم في اليوم الأول لمؤتمره السنوي الأخير استبعاده للمطالب الإصلاحية لأحزاب المعارضة السبع ( الوفد ، التجمع ، الناصري ، الجيل ، الأمة ، مصر 2000، الوفاق ) والتي تمخضت عن المؤتمر الذي عقدته تلك الأحزاب قبيل مؤتمر الحزب الحاكم .
والسؤال الذي يتبادر للأذهان هنا إلا يشكل قرار وزير الداخلية انحرافاً بالسلطة وتعسفاً في استخدام القانون ، إلا يشكل القرار إنتهاكاً لحق التجمع والتظاهر السلمي المكفول بمقتضى المادة 54 من الدستور المصري و التي تنص على " للمواطنين حق الاجتماع الخاص في هدوء غير حاملين سلاحا، ودون حاجة إلى أخطار سابق, ولا يجوز لرجال الأمن حضور اجتماعاتهم الخاصة، والاجتماعات الخاصة والاجتماعات العامة والمواكب والتجمعات مباحة في حدود القانون" ، وانتهاكاً أيضاً للمادة 21 من نص العهد الدولي لحقوق المدنية والسياسية والتي وقعت عليها الحكومة المصرية وأصبحت ملتزمة بنصوصها وفقاًَ لنص المادة 151 من الدستور التي تنص على "أن الاتفاقيات والمعاهدات التي يوقع عليها رئيس الجمهورية ويصدق عليها البرلمان تعد قانونا داخليا واجب التطبيق" .
وفي ضوء ما سبق ، يمكن القول بأنه إذا كان النص الدستوري يضمن حق التجمع السلمي ، فإن قرار وزارة الداخلية يكون مخالفاً للدستور ويجب الطعن عليه بعدم الدستورية ، ولا يجوز هنا الاحتجاج بأننا في حالة الطوارئ لا سيما وأن الحكومة أعلنت أمام مجلس الشعب التزامها بعدم استخدام قانون الطوارئ إلا لمواجهة جرائم الإرهاب وجرائم المخدرات ، ومن ناحية ثانية ، ينبغي التأكيد على أن عقد اجتماع لأحزاب المعارضة لمناقشة برامج الإصلاح السياسي والسعي لتقديم هذه البرامج لرئيس الجمهورية لا يدخل في باب الأنشطة المخلة بالأمن، بل أن قيام أحزاب المعارضة بتقديم طلب إلى وزارة الداخلية لا يعنى الحصول على موافقة الوزارة ، فهذا يخرج عن اختصاصها وإنما المقصود من هذا الأجراء هو إخطار جهات الأمن لاتخاذ التدابير الأمنية اللازمة لتأمين انعقاد المؤتمر وتحديد الطرق المؤدية إليه ومنافذ الخروج منه ، حتى لا يحدث تعطيل للمرور أو أي أحداث شغب من أي جهة. لذلك كان من الغريب أن يكون رد جهات الأمن، هو الرفض النهائي لانعقاد هذا المؤتمر .
ومن ناحية ثالثة ، قد تتحجج وزارة الداخلية بأنها لم تستخدم قانون الطوارئ لمنع اجتماع أحزاب المعارضة ، وإنما هي استندت إلى نص القانون رقم 14 لسنة 1923 المعروف باسم "قانون الاجتماعات" ، والذي يشترط في المادة الثانية منه ضرورة إخطار الشرطة قبل عقد الاجتماعات بثلاث أيام، كما نص القانون في المادة الرابعة منه أنه يجوز للمحافظ والبوليس منع الاجتماع قبل عقده ، وهنا يكون الدفع بعدم دستورية هذا النص في محله ، فالتناقض واضح بين هذا القانون والمادة 54 من الدستور والمادة 21 من العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، كما أن هذا القانون صدر في فترة كان المجلس التشريعي معطلاً ، وجاء في إطار جملة من القوانين الاستثنائية- والتي للأسف لازالت سارية حتى اليوم- ومنها القانون رقم 10 لسنة 1914 بشأن المظاهرات والتجمعات، والذي يضع قيوداً على حرية التظاهر وحرية الرأي و التعبير، وهذه القيود مطابقة تماماً لنصوص قانون الطوارئ، فضلاً عن أن هذه الحزمة من التشريعات قد صدرت في ظل الاحتلال البريطاني بهدف منع الشعب المصري من مناهضة الاحتلال وعقد الاجتماعات والمظاهرات السلمية للإعلان عن رفضها للاحتلال والمطالبة بالاستقلال . وجدير بالذكر أيضاً أن القانون رقم 14 لسنة 1923 بشأن الاجتماعات قد تم نقله من القانون الفرنسي رقم 30 لسنة 1881 والذي ألغى بقانون 28 مارس سنة 1907.
وإذ نؤكد ضرورة إلغاء قرار وزارة الداخلية بمنع اجتماع أحزاب المعارضة لعدة أسباب ، أهمها ، أولاً : خروج القرار على الشرعية الدستورية، فلا يجوز تعطيل حق دستوري بقرار من السلطة التنفيذية ، ولا يجوز هنا الاحتجاج بأن النص الدستوري في المادة 54 قد حدد ممارسة هذا الحق بأن تكون وفقا للقانون، فالقانون هنا لتنظيم ممارسة هذا الحق ، وليس بهدف وضع قيود تحد من الحق أو أن تعصف به نهائياً. ثانياً : عدم تماشيه مع دعاوى الإصلاح التي ترفع شعاراتها الحكومة من حين لآخر ، بل ويضع قضية الحريات السياسية على المحك ، لاسيما وأن وثيقة حقوق المواطنة الصادرة عن الحزب الوطني في مؤتمره الأخير قد تضمنت الحق في التجمع السلمي ، وهو الحق الذي يرتبط بالأساس بالحق في المشاركة في إدارة الشأن العام وحرية الرأي والتعبير ، وهذه حزمة من الحقوق والحريات غير قابلة للتصرف، باعتبارها عنوان دولة سيادة القانون والدولة الديمقراطية التي يحق فيها للأحزاب الاتصال بالجماهير، وتعبئتها على برامجها السياسية والاجتماعية والاقتصادية دون تعسف من قبل السلطة التنفيذية0 ودون قيود أمنية إلا فيما يضمن ممارسة هذا الحق وبالتساوي مع القوى السياسية والأحزاب بما في ذلك الحزب الحاكم. وبالتالي فإن قرار وزير الداخلية بمنع اجتماع أحزاب المعارضة يقوض أحد أسس وركائز الدولة الديمقراطية ، بل ويصطدم بالدستور والمواثيق الدولية التي وقعت عليها الدولة المصرية.
ونهاية ، فإذا كانت إرادة الإصلاح قائمة يجب أن يلغى قرار وزير الداخلية وينبغي أيضاً تعديل قانون الاجتماع بما يسمح للأحزاب السياسية بالعمل بحرية والاتصال بالجماهير وإدارة حوار واسع حول برامج الإصلاح من أجل تعزيز المشاركة السياسية والتطور الديمقراطي، لأنه بغير ذلك فأننا نقوض عملية الإصلاح السياسى ، وسندنا في هذا ما انتهت إليه المحكمة الدستورية العليا فى حكم من أهم أحكامها الصادرة فى القضية رقم 9 لسنة 15 قضائية جلسة 15 إبريل سنة 1995 " هدم حرية الاجتماع يقوض الأسس التى لا يقوم بدونها نظام للحكم, يكون مستنداً إلى الإدارة الشعبية, ولا تكون للديمقراطية فيه بديلاً مؤقتاً أو إجماعاً زائفاً أو تصالحاً مرحلياً لتهدأ الخواطر" .
|
|
|