











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
مجتمع رجال الأعمال ... محاولة للاقتراب
|
نشرت بجريدة المصر اليوم بتاريخ 12 نوفمبر 2004
يعتبر رجال الأعمال إحدى الفئات المؤثرة والمهمة في أي مجتمع، فسياسياً تصنف جماعات رجال الأعمال باعتبارها إحدى جماعات الضغط أو المصلحة التي تسعى للضغط على صانعي القرار؛ لاتخاذ قرارات تتسق مع مصالحهم أو لمنع صدور القرارات ذات الآثار السلبية على أنشطتهم. واقتصادياً يتحمل القطاع الخاص المسئولية الرئيسية في توليد الجانب الأكبر من الناتج المحلى والتشغيل وإنتاج السلع وتوفير الخدمات للمواطنين .كما أصبح الدور الاجتماعي لرأس المال عامل رئيسي في مساعدة الحكومة على رعاية الفئات محدودة الدخل في إطار من المسئولية الاجتماعية لرجال الأعمال في الحفاظ على التماسك الاجتماعي الضروري للحفاظ على الاستقرار اللازم لأي تنمية اقتصادية. وبالتالي فإن إغفال دور رجال الأعمال يعني تجاهل لدور قطاع رئيسي في المجتمع .
وقد ساعدت برامج الإصلاح الاقتصادي التي تطبقها مصر على زيادة الدور الاقتصادي للقطاع الخاص والذي أصبح مسئولاً عن توليد أكثر من 75% من الناتج المحلى الإجمالي وتشغيل أكثر من 70 %من القوة العاملة. وقد أدى تزايد الدور الاقتصادي بالضرورة إلى تزايد الدور السياسي إما بسبب سعى مجتمع الأعمال Business community إلى تدعيم إمكانياته الاقتصادية بسلطة ونفوذ سياسي، أو نتيجة هيمنة القضايا الاقتصادية على أجندة مختلف الهيئات التشريعية والتنفيذية، مما دفعها إلى تشجيع رجال الأعمال على الانضمام إلى الأجهزة السياسية للاستفادة بما لديهم من خبرة ومعرفة بالقضايا الاقتصادية.
ولم يكن الأمر مقصوراً على مصر فقط ، فمن المعروف أن جماعة رجال الأعمال والقطاع الخاص ظاهرة ملازمة لكل النظم السياسية المعاصرة تقريبًا، وإن تفاوتت نطاقاً وتأثيراً من نظام لآخر ، فوجودها يفيد النظام السياسي من خلال تزويد جهاز الحكم بالخبرة والمعلومات والمشورة وتهيئ باستمرار قنوات التواصل بين الحاكم والمحكوم. فمثلاً البرلمان الياباني "الدايت " ما هو إلا جمعية لممثلي جماعات المصالح المترابطة، وفي إيطاليا وفرنسا وهولندا يتنافس النقابيون العماليون والمسئولون في الاتحادات الزراعية على مقاعد السلطة التشريعية على المستوى القومي والإقليمي، وفي إيطاليا ولبنان تولى رئاسة الحكومة رجل أعمال، وفي ألمانيا رجال الأعمال ممثلين في المجالس الاستشارية للأجهزة الإدارية.
وتذخر الذاكرة المصرية بالعديد من الأمثلة لرجال الأعمال الوطنيين الذين كان لهم أدوار بارزة ومشرفة في الحياة الاقتصادية والسياسية والوطنية أمثال طلعت باشا حرب رائد الاقتصاد المصري الحديث ومؤسس بنك مصر وستوديو مصر وشركة مصر للطيران وشركة الأقطان ومحمد فريد وغيرهما .ولكن تغيرت هذه الصورة طيلة الفترة من الستينيات وحتى الثمانينيات،ففي الستينيات ومع تطبيق النظام الاشتراكي وسيطرة الدولة على جميع وسائل الإنتاج،أصبحت الحكومة هي المستثمر والمنتج والمصدر والمشغل، في ظل نظام كان سائداً لدى الكثير من بلدان العالم لاسيما حديثة العهد بالاستقلال والتحرر من الاستعمار . ومع تحولات الانفتاح الاقتصادي في السبعينيات وقيام الحكومة بإتاحة الفرصة للمستثمرين للاستثمار والحصول على قروض من البنوك ، نجح بعض رجال الأعمال في الحصول على قروض بدون ضمانات وقاموا بتهريبها للخارج ، واستتبع ذلك ظهور شريحة جديدة من البرجوازية أطلقت على نفسها مسمى رجال الأعمال ، أما فترة الثمانينيات فشهدت ظهور شركات توظيف الأموال ومن أمثلتها شركات الريان والسعد والشريف والذين استطاعوا جني أموال طائلة وتهريب جزء كبير للخارج لاستثمارها في المضاربات الدولية، وقد أضرت هذه الشركات بالمودعين وبالجهاز المصرفي، الأمر الذي استدعى تدخل الدولة للوقوف في وجه هذه الظاهرة .
ومع عقد التسعينيات ،كانت البداية الجادة لبرنامج الإصلاح الاقتصادي والتي خلقت أجواء أكثر موائمة لنمو وازدهار نشاط القطاع الخاص، حيث صدرت عدة قوانين للاستثمار تلغى كل القيود على مشاركة القطاع الخاص في مختلف القطاعات وتمنحهم إعفاءات ضريبية وجمركية وتيسر إجراءات إقامة المشروعات، وتوفير ضمانات ضد التأميم والمصادرة ومنح المعاملة الوطنية للمستثمرين الأجانب. وقد ساعدت هذه الإجراءات على زيادة مساهمة القطاع الخاص في الاستثمار والإنتاج والتشغيل، وتحويل الانفتاح الاستهلاكي الذي تم في السبعينات إلى انفتاح إنتاجي. كما بدأت تنظيمات رجال أعمل جديدة في الظهور فبجانب اتحاد الغرف التجارية واتحاد الصناعات ، ظهرت جمعية رجال الأعمال وجمعيات المستثمرين بالمدن الجديدة وهى جمعيات أهلية خاضعة لقانون الجمعيات الأهلية. ومنذ منتصف التسعينات بدء التصاعد الملحوظ في النشاط السياسي لرجال الأعمال ، فقد أصبح لهم تواجد ملموس وواضح داخل مجلسي الشعب والشورى إما عن طريق الانتخاب أو التعيين ، وفي هذا الصدد لايمكن إنكار الدور الذي لعبه بعض رجال الأعمال من أجل إصدار قوانين بالغة الأهمية مثل قانون المناطق الاقتصادية الخاصة ،وقانون الاستثمار،وقانون التمويل العقاري وغير ذلك ، وإن كانت تلك القوانين تتفق مع مصالحهم الخاصة ولكنها في النهاية تحقق المصلحة العامة ، كما امتد دورهم إلى امتلاك بعض الصحف والقنوات الفضائية 0
ولكن مشاركة رجال الأعمال في الحياة السياسية لم تلق الترحيب الكامل من بعض القوى السياسية والمجتمعية ، لارتباط صورة رجل الأعمال في مخيلتهم بالفساد والرشوة ونهب أموال البنوك والاعتماد على النفوذ المالي لتحقيق مكاسب سياسية وشخصية ، وإن كانت هذه الصورة تنطبق على قلة من الشخصيات الملوثة من أصحاب الأيدي الغير نظيفة ، إلا أنه هناك الكثير من رجال الأعمال الجادين الذين كانت لهم إسهامات بارزة لاسيما في المجال الاقتصادي والاجتماعي والتنموي ولا يستطيع أحد إنكار ذلك ، فقد تبرع الكثيرون منهم بأموالهم لمساكن الزلزال وبناء المدارس والمستشفيات ، فضلاً عن قيامهم بتشييد قلاع صناعية بالمدن الصناعية الجديدة كالعاشر من رمضان والسادس من أكتوبر والعبور...إلخ.
وهنا يثار التساؤل: إذا كان رجال الأعمال لهم مثل هذه الأهمية الاقتصادية على الأقل ويمتلكون أداوت عديدة للتأثير المباشر على صانعي القرار من خلال تواجدهم بالبرلمان واللجان المتخصصة فيه والأحزاب ومجالس الأعمال المشتركة .فلماذا تجاهلت -ومازالت -أحزاب المعارضة وبعض القوى السياسية عند طرح مطالبها الإصلاحية فئة رجال الأعمال الوطنية والمثقفة والمعروفة بسجلها المشرف، بمعنى آخر لماذا لم تؤخذ وجهة نظر جمعيات رجال الأعمال في الاعتبار عند وضع الأجندة الإصلاحية من ناحية ،ومن ناحية ثانية لماذا لم يبادر رجال الأعمال أنفسهم بطرح مبادرات إصلاحية للاستفادة من خبراتهم ولاسيما فيما يتعلق بالشق الاقتصادي من الإصلاح ؟ .
إن سد الفجوة بين القوى الإصلاحية من جانب ومجتمع الأعمال من جانب آخر يتطلب البدء في بناء جسور للتواصل والحوار مع مجتمع رجال الأعمال وتخلي أحزاب المعارضة والقوى السياسية الأخرى عن النظرة التشكيكية فيهم واستبعادهم من حساباتهم السياسية أيضاً ، ولكن في الوقت ذاته ينبغي على رجال الأعمال أولاً نبذ غير الشريف منهم ، وأن يعيدوا الاعتبار لمسمى رجل الأعمال الذي تعرض للسطو، فأصبح كل من يشاء يطلق على نفسه رجل أعمال. ويمثل ما سبق الأساس الموضوعي اللازم لتشكيل تحالف أو "لوبي" ثلاثي الأطراف يضم الأحزاب وقوى المجتمع المدني وجمعيات رجال الأعمال من أجل الضغط كل في مجاله وبأدواته المختلفة، بغية تسريع خطى الإصلاح بأبعاده الشاملة.
|
|
|