











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
انتخابات 2005 والتغيير المؤجل
|
لعل المتابع للانتخابات الرئاسية التي شهدتها مصر يوم السابع من سبتمبر، يلاحظ أن نتيجة تلك الانتخابات لم تأت بجديد، حيث فاز الرئيس مبارك بفترة رئاسية جديدة ستستمر لمدة 6 سنوات، وبنسبة وصلت إلى 88.6% وهي ذات النسبة أو تتقارب مع التي كان يحصل عليها الرئيس في الاستفتاء، فالانتخابات اختلفت فقط من حيث شكلها الإجرائي ، حيث أجريت الانتخابات بين أكثر من مرشح بدلاً من الاستفتاء على مرشح واحد ، ولكن بقي المضمون والنتيجة واحدة .
ومع أن الكثير من القوى السياسية والحزبية كانت تعلم بنتيجة الانتخابات مسبقاً، غير أنها اختلفت بشأن النسبة التي سيفوز بها الرئيس المنتخب، فالبعض توقع أن تصل إلى 65% على أقصى تقدير، وجاءت النتيجة لتخيب آمالهم، وجرت المعركة الانتخابية من الناحية الفعلية بين 3 أحزاب وهي الحزب الوطني وحزب الغد وحزب الوفد، وبرغم معرفة كلاً من الغد والوفد بالنتيجة المسبقة للانتخابات، إلا أنهما خاضوها بغية تحقيق قدر من التوازن مع الحزب الوطني واثبات تواجدهما في الشارع المصري والبناء على تلك النتيجة من أجل الانتخابات البرلمانية القادمة، والتي يحتاج فيها الناخب أن يشعر بتواجد تلك القوى الحزبية وقدرتها على منافسة الحزب الوطني.
في حين أدرك كلاً من حزب التجمع والناصري منذ البداية عدم التكافؤ بينهما وبين الوطني- ولاسيما في ظل تسلحه بالجهاز الإداري للدولة والأجهزة الإعلامية هي الأخرى- وقرارا على إثر ذلك مقاطعة الانتخابات الرئاسية .
ومع انتهاء العملية الانتخابية، فإنه ينبغي الوقوف على كيفية سيرها وإجرائها و التطورات السياسية والدستورية السابقة عليها بدءا من تعديل المادة 76 من الدستور وإنتهاءاً بقرارات لجنة الانتخابات الرئاسية، بغية بيان الانتهاكات والتجاوزات التي شهدتها العملية الانتخابية ومعالجتها مما يعزز رؤيتنا للإصلاح السياسي والدستوري المنشود في البلاد ويكفل تطوير نظامنا الانتخابي بالشكل الذي يحقق المشاركة السياسية في إدارة الشأن العام، وهذا التحليل مبني على معايير ومبادىء حقوق الإنسان، أي لا يهدف بشكل أو بآخر إلى إصدار حكم قيمي على الانتخابات الرئاسية .
ولعل أهم ما يجب الوقوف أمامه هو نسبة المشاركة في الانتخاباتـ، فوفقاً لما أعلنته لجنة الانتخابات الرئاسية كانت هذه النسبة 23% ، وفي اعتقادي أن هذه النسبة صحيحة لحد ما، حيث تراوحت تقديرات المنظمة المصرية لحقوق الإنسان قبيل الإعلان عن نتائج هذه الانتخابات ما بين 20-25% وذلك بناءاً على المعلومات التي توصلت إليها المنظمة عبر مراقبيها في 19 محافظة ،
ووفقاً لنسبة المشاركة المعلنة فإنه هناك ما يقرب من 77% من الشعب المصري ممن لهم حق التصويت وفقاً للدستور والمواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان لم يشاركوا في الانتخابات الرئاسية،
ولعل السؤال الذي يطرح نفسه هنا: ما هو السبب الرئيسي وراء إحجام هؤلاء المواطنين عن المشاركة الذين يمكن أن نطلق عليهم مجازاً "جمهورية الصمت"؟.
من الواضح أن ذلك يرجع إلى عدة أسباب وهي : أولاً عدم تنقية وتحديث كشوف الناخبين، حيث تضمنت أسماء ممن ليس لهم حق التصويت مثل المتوفيين وفاقدي الجنسية والمحرومين من مباشرة حقوقهم السياسية وفقاً للقانون، فضلاً عن امتلاء الكشوف بالأسماء المكررة والأخطاء في كتابة أسماء الكثير من الناخبين ، بل وأن البعض منهم لم يجد اسمه في الكشف الانتخابي برغم تصويته من قبل في ذات الدائرة الانتخابية .
ويندرج تحت هذا البند أيضاً الإصرار على إجراء الانتخابات في يوم واحد، الأمر الذي دفع لجنة الانتخابات الرئاسية للقيام بعملية دمج للجان الانتخابية، حيث تم دمج اللجان من 54 ألف لجنة فرعية ليتم التصويت في 9700 مركز تصويت انتخابي، والسبب في ذلك كما أعلن هو تمكين القضاء من الإشراف على الانتخابات !! .
الأمر الذي جعل الناخب يدخل في دوامة البحث أولاً عن لجنة، ثم البحث ثانياً عن اسمه، والمفارقة هنا أنه قد يجد اللجنة ولكن لا يجد اسمه أو يجده مكتوب بالخطأ .
أما السبب الثاني فهو التباطؤ في إنهاء قيد المواطنين ببطاقات الرقم القومي، حيث كان من المقرر الانتهاء من إعدادها عام 2003 وفقاً لتصريحات رئيس الوزراء السابق د.عاطف عبيد، غير أنه حتى الآن لم يتم الانتهاء منها، كما أن عدم إعطاء كشوف الناخبين للأحزاب السياسية المشاركة في الانتخابات قبل يوم التصويت بوقت كافي، قد حرم الأحزاب من مساعدة الناخبين في تحديد لجنته الانتخابية ومكان التصويت، ولعل الاستحواذ على الكشوف الانتخابية قبيل الانتخابات بقترة طويلة من قبل الحزب الوطني دون غيره، قد ساهم بشكل أو بآخر في تفوق مرشح الوطني على باقي مرشحي الأحزاب .
و ينبغي التأكيد على أن انخفاض نسبة المشاركة لا يجعلنا نشكك في مشروعية الانتخابات الرئاسية ، ولكنها تكشف عن مدى عمق أزمة المشاركة السياسية في المجتمع المصري ، كما تعطي مؤشر آخر للأحزاب السياسية مفاده أن الحزب الوطني ليس صاحب الأغلبية الساحقة، وإنما هناك حوالي ما يقرب من 80% من الناخبين بحاجة لجهود ضخمة لدفعهم للمشاركة في الحياة السياسية .
وأخيراً التعديل المعيب للمادة 76 من الدستور، حيث جاء هذا التعديل ليضع قيوداً على الحق في الترشيح على المرشحين من أحزاب سياسية باشتراط حصول الحزب على نسبة 5% من مقاعد مجلسي الشعب والشورى ، وإذا كان من الممكن تصور حصول أحزاب على تلك النسبة من مقاعد مجلس الشعب، فمن الصعوبة تصور إمكانية الحصول على نفس النتيجة في مجلس الشورى، على الأقل في ظل النظام الانتخابي المعمول به الآن . في حين تتعقد المسألة أكثر في حالة المستقلين الذين يجب أن يحصلوا على توقيع 250 عضو بالمجالس المحلية المنتخبة.
لذا فإنه من الواضح أن المادة 76 من الدستور قد أغلقت الباب أمام إجراء انتخابات تنافسية حقيقية بمنع الشخصيات المستقلة القادرة على إقناع الناخبين بإمكانية إدارة حملة انتخابية متكافئة مع الرئيس، الأمر الذي يتناقض مع نص المادة 21 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان التي تنص في فقرتها الثانية على أن إرادة الشعب هي مناط سلطة الحكم، ويجب أن تتجلى هذه الإرادة من خلال انتخابات نزيهة تجرى دورياً بالاقتراع العام ، وعلى قدم المساواة بين الناخبين وبالتصويت السري .
أما بالنسبة لتشكيل وصلاحيات لجنة الانتخابات الرئاسية، فقد اصطدمت بشكل مباشر مع قيم ومبادىء حقوق الإنسان وذلك بتحصين قراراتها من الطعن عليها ومنحها صلاحيات تجمع بين صلاحيات السلطات الثلاث في الدولة الأمر الذي جعلها سلطة رابعة، وبمقتضى تلك الصلاحيات الواسعة والفضفاضة قامت اللجنة بمنع منظمات حقوق الإنسان من القيام بدورها في مراقبة العملية الانتخابية، ودخلت تلك المنظمات مع اللجنة في مجادلة مستمرة حتى صبيحة يوم الانتخابات، حيث أصدرت الأخيرة قراراً يقضي بالسماح للمنظمات الحقوقية بمراقبة الانتخابات، والذي لم يكن له أي قيمة فعلية في تمكين المنظمات من المراقبة .
وبانتهاء الانتخابات الرئاسية بما لها وما عليها، وإدراكنا بأنها قد حركت على الأقل المياه الراكدة في الحياة السياسية المصرية، واقتراب الانتخابات البرلمانية، فإنه ينبغي على الحكومة البدء فوراً في تبني حزمة متكاملة من الاصلاح السياسي والدستوري تنطلق من سن دستور جديد للبلاد بدلاً من ترقيع الدستور المعمول به منذ عام 1971، يشترك في وضعه مختلف القوى السياسية والحزبية والنقابية ومؤسسات المجتمع المدني وأساتذة القانون الدستوري،
وكذلك إلغاء القوانين المقيدة للحريات وفي مقدمتها إلغاء حالة الطوارىء الجاري العمل بها منذ 24 عاماً، وغير ذلك من إصلاحات سياسية ودستورية وكذلك اقتصادية يستلزمها الوضع المصري الراهن، لأنه بدون تلك الإصلاحات ستسود حالة من الإحباط لدى قطاعات الشعب المختلفة، وستتكرر الصورة نفسها في انتخابات مجلس الشعب القادمة، والتي اتضحت أحد معالمها في تدني نسبة المشاركة بالانتخابات الرئاسية وضعف الأحزاب السياسية.
والآن وبانتهاء الانتخابات الرئاسية دون تغيير، هل ستتغير الصورة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية أم أن الإصلاح لم يحن وقته بعد !! .
نشرت بجريدة المصري اليوم بتاريخ 27/9/2005
|
|
|