











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
مصـــــــــــــــر ...إلى أيــــن ؟
|
مصر إلى أين ؟
السؤال الذي طرح نفسه داخل مصر من قبل المفكرين والمثقفين ومسئولي الحركات السياسية سواء من اليمين أو اليسار، بل وطرح ذات السؤال في دوائر صنع القرار بالعواصم الغربية، وبشكل خاص في الولايات المتحدة الأمريكية .
وجاء هذا الطرح عقب إعلان نتائج الانتخابات البرلمانية لعام 2005 وتفجير مفاجأة من العيار الثقيل بحصول جماعة الإخوان المسلمين على 20% من إجمالي عدد مقاعد مجلس الشعب، وهذه النسبة مرشحة للارتفاع،ولاسيما وأن هناك 6 دوائر تم تأجيل إجراء الانتخابات فيها بحكم محكمة القضاء الإداري .
وينطوي السؤال السالف ذكره على مخاوف داخل مصر وخارجها من صعود الإخوان المسلمين إلى صدارة المشهد السياسي، حيث وصل الأمر إلى درجة "الفوبيا"،وطرحت هذه المخاوف تساؤلاً مفاده إلى أين سيقود هذا الصعود الإخواني مصر في المستقبل، فهل ستتجه إلى مزيد من الانفتاح السياسي والديمقراطي في ظل الدولة المدنية الموجودة حالياً،أم ستتقوقع على ذاتها وترتدي الثوب الإسلامي المتشدد ؟
بمعنى آخر هل تزايد نفوذ الإخوان بعد الانتخابات سيقود إلى الدولة الدينية،أو بالأحرى كما طرحها الكاتب "نيل ماك" في صحيفة النيويورك تايمز بتاريخ 8ديسمبر 2005 في سؤاله لأحد مرشحي الإخوان حول ما إذا كان الاحتماء بدولة ديمقراطية فقط للشخص الواحد والصوت الواحد والمرة الواحدة؟.وهو سؤال يتضمن تشكيك في جدية إيمان الجماعات الإسلامية بالديمقراطية كعملية مستمرة.
ونتيجة لما سبق بدأت جماعة الإخوان في طمآنة الرأي العام الداخلي عبر إطلاق سيل من الرسائل فحواها بأنهم سيحرصون على تطبيق الديمقراطية وصون حقوق الإنسان وفقاً للنظام العام وقيم المجتمع الثقافية والدينية، كما أداروا حواراً مع الأقباط أكدوا لهم فيه بأن حقوقهم مصانة" ولهم ما لنا وعليهم ما علينا" وفقاً لما قاله المرشد العام للإخوان المسلمين.
وعلى المستوي الدولي بدأ الإخوان بطلب الحوار من العواصم الغربية وخاصة من الولايات المتحدة ، وإن كان نائب المرشد" محمد السيد حبيب" قد اشترط في برنامج تلفزيوني بقناة الجزيرة الفضائية لبدء الحوار وجود ممثلين من وزارة الخارجية المصرية ، كما كتب "خيرت الشاطر" النائب الثاني للمرشد مقالة بصحيفة الجارديان البريطانية بعنوان "لا حاجة للخوف منا no need to be afraid of us"نشرت بتاريخ 23 نوفمبر 2005 أي قبل المرحلة الثالثة من الانتخابات البرلمانية الأخيرة،حيث قدم الشاطر جماعة الإخوان بأنها تمثل البديل للنظام القائم قائلاً " أن الشعب يضع آماله علينا، وحتى لا نستفز الحكومة تقدمنا بـ 163مرشحاً فقط من إجمالي 444 مرشحاً لتقتسم كعكة البرلمان .
ملخص القول أن هناك قلق في أوساط النخبة المصرية والمجتمع الدولي،ومصدر القلق أن الإخوان أصبحوا البديل بعد فوزهم بـ88 مقعد في برلمان 2005 ، وفي حالة استمرار البيئة السياسية والتشريعية على وضعها الحالي،فإن الإخوان قادمون للحكم بعد إجراء الانتخابات القادمة .ولعل هذا الاستنتاج صحيحًا إلى حد ما .
ويطرح هذا الاستنتاج بدوره عدة تساؤلات وهي:هل سيحترم الإخوان قواعد الديمقراطية ومبدأ التداول السلمي للسلطة، وهل بالفعل هناك درجة من التغيير في منظومة الفكر الإخواني فيما يخص مقولاتهم عن احترام الديمقراطية وحقوق الإنسان وحقوق الأقباط والمرأة ،أم أن هذه هي لعبة الديمقراطية والحكم لصندوق الانتخابات، وليس من حق أحد أن يطالب قوى سياسية ما -اختيرت بحرية-بتغيير منهجها ونظرياتها السياسية، وهل ستبقى مصر دولة مدنية أم أنها ستتحول إلى دولة دينية تستند لمبدأ الحق الإلهي؟ .
في واقع الأمر أنه من الواضح عدم وجود رغبة حقيقية لدى جماعة الإخوان- على الأقل في الوقت الحالي -لتغيير أفكارها وثوابتها الإيديولوجية ،وهذا ما اتضح في شعارها الانتخابي "الإسلام هو الحل" ، ويدلل على ذلك أيضًا الحوار الذي أجراه
الكاتب "نيل ماك" بجريدة النيويورك تايمز مع أحد مرشحي الإخوان بإحدى دوائر محافظة الإسكندرية بتاريخ 8/12/2005 ، فبالنسبة لمسألة تحويل مصر إلى دولة دينية قال مرشح الإخوان " أن هذه المسألة ترجع لسنوات قديمة تزيد عن ألف عام ، وأولى خطوات ذلك تحويل مصر إلى ولاية إسلامية ، ومن ثم إلى مجمع أو إمبراطورية إسلامية ولكن بأساليب حديثة كالاتحاد الأوروبي مثلاً".
أما بالنسبة للوفود الأجنبية التي تزور مصر سنوياً فقال"أنها تمثل خطراً على المجتمع لكونها تحد من حركة المواطنين الصالحين الذين يرتدون الملابس المحتشمة ويرفضون شرب الكحوليات"، بل وطالب بتشكيل "شرطة دينية شبيهة بهيئة الأمر بالمعروف"بالمملكة العربية السعودية تقوم بمهام الرقابة الأخلاقية في الشوارع قائلاً "الرجل ليس لديه الحق في تقبيل زوجته أمام الناس بالطريق العام, إلا في حالة لحظة رجوعه من السفر, حيث يوجد بعض الاستثناءات في المطارات أو محطات القطار".وعلى المستوى الخارجي،وصف إسرائيل بأنها "أمة متعجرفة" وضرورة قيام مصر بمواجهتها إذا لم تطبق معاهدة السلام.
قد تكون الأسئلة السابقة مطروحة -بدرجات متفاوتة - على جميع المستويات السياسية، فنحن لم نمارس التداول السلمي للسلطة من قبل ، فنظامنا السياسي لا يزال بنائه قائماً على الاندماج بين الحزب الحاكم والدولة،وبالتالي فإن وصول أي تيار سياسي للحكم سوف يمتلك إدارة شئون الدولة كاملاً ، وهو الأمر الذي يزيد من طرح الشكوك والمخاوف من وصول تيار بعينه للسلطة واستحواذه على جميع مقاليد الأمور، وبالتالي يفرض تصوراته ومعتقداته على كافة القوى والتيارات السياسية والفئات الاجتماعية والدينية،مما يؤدي في نهاية المطاف إلى مصادرة قواعد الديمقراطية ذاتها وآلية التداول السلمي للسلطة أيضًا .
إذن هذه "الفوبيا"لا تتعلق فقط بالإخوان المسلمين وإنما بكل القوى والتيارات السياسية المحتمل وصولها لسدة الحكم،
ولإزالة هذه المخاوف لابد من بناء دولة المؤسسات، دولة يتفق فيها المجتمع على سياساته وتوجهاته الأساسية لا تتغير بتغير الأشخاص والأحزاب،مما يتطلب إعداد دستور جديد يتضمن بابًا للحقوق الأساسية الواردة في المواثيق الدولية المعنية بحقوق الإنسان ،وتحصن بالنص عليها في الدستور،ولا تحال للقانون لتنظيم ممارستها،
وكذلك عدم قابليتها للتقييد أو التعليق ،ويضمن التعادل بين السلطات الثلاث بحيث لا تطغى سلطة على أخرى، وتكون كل سلطة مستقلة وقادرة على الحد من نفوذ السلطة الأخرى ، فالسلطة لاتحدها إلا سلطة،وينص على انتخاب رئيس الجمهورية بالانتخاب الحر المباشر بين متنافسين ، متفادياً الشروط غير المبررة في التعديل الحالي للمادة 76 من الدستور ، ويحدد مدة الرئاسة بفترتين كحد أقصى ، ويضمن تفعيل الدور الرقابي والتشريعي للبرلمان ، ويدعم اللامركزية في الحكم، ويوائم بين المرحلة الاقتصادية الراهنة والنصوص الدستورية،على أن تعقب مرحلة وضع دستور جديد ديمقراطي التوجه، إجراء انتخابات حقيقية بعد ذلك بعد تعديل النظام الانتخابي والأخذ بنظام القائمة النسبية بهدف ضمان التمثيل الواسع لجميع الأحزاب الصغيرة والكبيرة بالبرلمان ،وبالطبع عندما تجرى الانتخابات بالقائمة النسبية فإنه لابد من تعديل قانون الأحزاب،حتى يكون الحق في تشكيل الأحزاب مكفولاً لكل فئة أو تيار سياسي في المجتمع،
بمعنى آخر إعادة الاعتبار للسياسة والعمل الحزبي في المجتمع،بما يسمح بأن تجرى الانتخابات على أساس البرامج لا الأشخاص، مما يقلل من تأثير المال والبلطجة على إرادة الناخبين .
ونهاية ، لا يجب أن يتأثر مستقبل مصر بإجراء انتخابات قد تأتي بأي من القوى السياسية للحكم ، ويكون حكم هذه القوى مصدراً للقلق والخوف من مستقبل مجهول للبلاد، مادام معايير النظام العام واضحة ومحددة في الدستور بشكل يجعل انتقال السلطة سلمياً،وحق الانتخاب المعبر عن إرادة الناخبين الضمانة الأساسية لتطبيق الديمقراطية واحترام حقوق الإنسان ،وليس طلب ضمانات من حزب أو حركة لاحترام مبادىء الديمقراطية .
نشرت بجريدة المصري اليوم بتاريخ 22/12/2005
|
|
|