











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
الدول العربية ومأزق غياب العدالة المنصفة
|
من المؤسف أن يكون التاريخ غنيا بالفظائع المرتكبة من قبل البشر ضد بعضهم البعض. فقد عرف القرن الماضي بشكل خاص، الذي كان غارقاً في ويلات الأنظمة الاستبدادية العسكرية و الشمولية، العديد من أعمال الإبادة الجماعية، والجرائم ضد الإنسانية ، وجرائم حرب ،
ولعل الصورة أكثر إيلامًا بالمنطقة العربية حيث منح حكام مستبدون أنفسهم حصانة مدى الحياة، كما جرى تسمية مسئولين عن فظائع بشعة في مناصب رفيعة، كما يعيش بعضهم بسلام في مناف بعيدة عن أوطانهم،فمسألة الإفلات من العقاب تعتبر ظاهرة في الدول العربية لها ما يغذيها على المستويين القانوني والعملي .
وفي ضوء غياب ضمانات العدالة المنصفة والنزيهة في الكثير من الدول العربية مقابل تصاعد الأعمال البشعة ضد الإنسانية وانتهاك مستمر لحقوق الإنسان سواء تمثلت بجرائم درافور بالسودان والجرائم ضد الإنسانية التي ترتكب يوميًا في فلسطين والعراق ،
فضلاً عن مسلسل اغتيال الصحفيين والسياسيين بلبنان ، واستمرار سياسة منهجية التعذيب والاختفاء القسري والقتل خارج نطاق القانون والتنكيل بالمعارضين السياسيين مثلما يحدث بالمغرب وسوريا والأردن والسودان ،وهذا ما كشفته عنه المقابر الجماعية التي كانت موجودة أيام نظام صدام حسين ، تتصاعد أصوات المناضلين والحقوقيين في تلك الدول للمطالبة بالتحقيق الدولي في تلك القضايا ، باعتبارها المخرج الوحيد لمجابهة مأزق غياب العدالة في بعض الدول العربية ،
ولكن البعض قد يتذرع بمبدأ "السيادة" ، معتبراً هذه المطالبة تدخلاً في الشئون الداخلية للدول ، ولكن هذا الرأي مردود عليه بالقول أنه لا يجب أن تظل السيادة سداً منيعاً يحمي النظم الديكتاتورية والفاسدة ومرتكبي أشد الجرائم خطورة والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، فالسيادة هنا كلمة حق يراد بها باطل ، وهي بالأساس شرعت لحماية الأمم والشعوب من الاعتداء عليها دعماً لحق تقرير المصير للشعوب ، في حين لم تشرع لكي تستبد النظم الحاكمة بشعوبها الضعيفة .
ومن المفيد هنا الإشارة إلى الأساس القانوني للعدالة الدولية :
عقب انتهاء الحرب العالمية الثانية وتشكيل محكمة لمجرمي الحرب والتي حوكم أمامها قادة النظام النازي وكذلك محكمة طوكيو بدا أن المجتمع الدولي يسعى إلى تحقيق محكمة جنائية دولية دائمة تختص بالجرائم الأشد خطورة وبالفعل أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها بتشكيل لجنة مكونة من ممثلين سبعه عشر دولة لصياغة معاهدة لإنشاء المحكمة الجنائية الدولية ، ورغم انتهاء اللجنة من مشروع عام 1953 إلا أن اعتماد اتفاقية دولية بشأن المحكمة الجنائية الدولية لم يتم إلا عام 1998 والمعروفة باتفاقية روما .
وقبل هذه الاتفاقية تصدي المجتمع الدولي لجريمتين من الجرائم ضد الإنسانية تتعلق بالتطهير العرقي وذلك بتشكيل محكمة رواندا ومحكمة يوغسلافيا السابقة، وصدر القرار بتشكيل المحكمتين من مجلس الأمن وهو النظام المعروف بـ ad_hoc "المحكمة الخاصة" وبات واضحاً أن الاتجاه الدولي يسير في مكافحة ظاهرة الإفلات من العقاب باعتبار أن هذا النوع من الجرائم الخطيرة يهدد السلم والأمن والرخاء في العالم ،
وبهذا المفهوم الذي نص عليه في ديباجة المحكمة الجنائية الدولية عام 1998 أصبحت الجرائم المنصوص عليها في الاتفاقية هي جرائم دولية إذ لم يتصدى لها القضاء الوطني في إطار ولايته واختصاصه في التصدي لمثل هذه الجرائم وهو المبدأ الذي عرف بالتكاملية ما بين الولاية والاختصاص الوطني والاختصاص الجنائي الدولي.
وكذلك إذا أفتقد النظام القضائي الوطني الرغبة أو القدرة في التصدي لمثل هذه الجرائم، وهي الحالة المتوافرة في قضية دارفور حيث أعتقد مجلس الأمن أن القضاء السوداني لا تتوافر له هذه القدرة في التصدي فأصدر قراراه بتشكيل لجنة تحقيق دولية للتحقيق في الجرائم ضد الإنسانية التي ارتكبت في دارفور.
وقد حددت المادة الخامسة من اتفاقية روما الجرائم التي تدخل في نطاق اختصاص المحكمة الجنائية الدولية وهي:
أ0 جريمة الابادة الجماعية
ب . الجرائم ضد الإنسانية
ج . جرائم الحرب
د . جريمة العدوان
وتم تعريف كل جريمة من الجرائم الثلاث المشار إليها في المواد 6 ، 7 ، 8 من نظام روما بينما تم تأجيل تعريف جريمة العدوان، حتى تم التوصل إلى تعريف من خلال الجمعية العمومية للمحكمة المشكلة من الدول الأطراف في الاتفاقية .
وقد حددت المادة السابعة الجرائم ضد الإنسانية باستفاضة وبتحديد الأفعال التي تشكل الجريمة ضد الإنسانية حيث نصت على الآتي :لغرض هذا النظام الأساسي يشكل أي فعل من الأفعال التالية "جريمة ضد الإنسانية متى ارتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجه ضد أية مجموعه من السكان المدنين وعن علم بالهجوم "القتل العمد - الإبادة - الاسترقاق - إبعاد السكان أو النقل القسري - السجن أو الحرمان الشديد على أي نحو من الحرية البدينة - التعذيب - الاغتصاب أو أي شكل من أشكال العنف الجنسي - الاختفاء القسري - جريمة الفصل العنصري".
وهنا نجد أن المادة السابعة قد توسعت في تعريف الجرائم ضد الإنسانية لتضم طائفة من انتهاكات حقوق الإنسان الجسيمة.
إذن فإن اتفاقية روما بتأسيس المحكمة الجنائية الدولية تشكل الآن أساسا قانونياً للعدالة الجنائية الدولية التي تستطيع أن تتصدي للانتهاكات الشديدة لحقوق الإنسان في حالة عدم تصدي النظام الوطني لها، وفي ذات الوقت فإذا قام القضاء الوطني بواجبة بحياد ونزاهة وشفافية فإن هذا كفيل بوقف الاختصاص الدولي .
والسؤال الآن :
هل لدينا نظام قضائي في منطقتنا العربية يتمتع بمعايير الإنصاف والنزاهة والاستقلال؟، أم أن المطالب المستمرة والمتصاعدة بالمحاكمة الدولية والتحقيق الدولي من قبل أطراف وطنية تؤكد على الشكوك الكثيرة التي تحيط بالأنظمة القضائية الوطنية لاسيما في ظل هيمنة السلطة التنفيذية -في معظم بلداننا العربية- على السلطة القضائية، الأمر الذي قوض استقلالها وأثر على حيدتها ونزاهتها ، ومكن مرتكبي الجرائم ضد الإنسانية من الإفلات من العقاب.
لا أعتقد أن هذا الموقف سيستمر ، طالما أن هناك عدالة دولية في طور الاكتمال وأصوات وطنية مخلصة تتصاعد، وتئن من الظلم المرير ، وتطلب اللجوء إلى تنفيذ هذه العدالة ، حتى لا تظل الشعوب العربية الضعيفة تدفع ثمن فاتورة بقاء حكامها المستبدين في السلطة .
نشرت بجريدة المصري اليوم بتاريخ 2/2/2006
|
|
|