











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
مصر ....والمفاضلة ما بين الرئاسي والبرلماني
|
بقلم / حافظ أبو سعده
الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان
برغم إجماع القوى السياسية والحزبية والمجتمعية على ضرورة الإسراع في الإصلاح الدستوري لاسيما في المرحلة الراهنة ، نجد أن هناك العديد من قضايا الإصلاح الدستوري محل جدل بين المفكرين والمثقفين وهذا ما تلامسته عن قرب من خلال مناقشات أعضاء المنبر الدستوري المصري ، وتأتي في مقدمة هذه القضايا طبيعة النظام السياسي رئاسي أم برلماني أم مختلط ، فالبعض يرى ضرورة الأخذ بنظام الحكم البرلماني القائم على الفصل بين صلاحيات رئيس الجمهورية وبين اختصاصات السلطة التنفيذية التي تتولاها حكومة تمثل الأغلبية البرلمانية وتكون مسئولة أمام ممثلي الشعب المنتخبين انتخاباً حراً ، مؤكدين أن هذا النظام هو الأنسب والأصلح لمصر لكونه الأكثر قدرة على إنعاش الأحزاب السياسية،
كما يعطي فرصة مباشرة لاختيار الحكومة صاحبة الصلاحيات الكاملة، والبرلمان هنا هو المنوط به تشكيل الحكومة، أما رئيس البلاد فهو يملك ولكنه لا يحكم، وهذا يحقق عدالة في توزيع السلطات، ويضع الحكومة أمام مساءلة البرلمان في حالة ارتكابها أي خطأ، كما يمتلك البرلمان الحق في إقالة الحكومة ، ولكن في ذات الوقت يؤخذ على هذا النظام الدمج ما بين السلطات ، فالبرلمان ينتخب من الشعب ، والأحزاب الحاصلة على الأغلبية هي التي تشكل الحكومة ، وهنا يحدث دمج ما بين السلطتين التنفيذية والتشريعية.
أما الرأي الآخر فيطالب بالأخذ بالنظام الرئاسي والذي يقوم على مجموعة من الأسس والمتطلبات يتميز بها عن غيره من الأنظمة السياسية الأخرى، ولعل أهمها وجود رئيس دولة منتخب من قبل الشعب بطريقة مباشرة أو غير مباشرة، إذ يقوم النظام الرئاسي على وجود رئيس دولة منتخب من قبل الشعب، ويجمع بين صفة رئيس الدولة ورئيس الحكومة، وقد قصد واضعو الدستور الأمريكي مثلاً بذلك تحقيق المساواة ما بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، فقد ركزوا السلطة التنفيذية بيد رئيس الدولة المنتخب من الشعب، ولذلك أصبح في مركز متعادل مع البرلمان الذي يستمد سلطته من الشعب هو الأخر.
لكن الواقع العملي أثبت أن الكفة تميل لصالح الرئيس، إذ أنه ممثل الشعب بأكمله ويتمتع بتأييد غالبيته، بينما النائب في البرلمان وإنْ كان ممثل الشعب بأكمله إلا إنه لا يتمتع بالأغلبية إلا في دائرته الانتخابية،بمعنى آخر تزايد دور السلطة التنفيذية واختصاصها مع جعل الرئيس يتمتع بقوة ونفوذ في مواجهة البرلمان، و الفصل شبه المطلق بين السلطات، إذ يقوم النظام الرئاسي يقوم على مبدأ الفصل بين السلطات، لذلك نجد الدستور الأمريكي يجعل اختيار القضاة بالانتخاب،وينص على عدم إمكانية تعديل نظام المحكمة الاتحادية العليا إلا وفقاً للأوضاع الخاصة بتعديل الدستور نفسه، وكذلك عدم إمكانية الجمع بين العضوية البرلمانية والمنصب الوزاري في مقابل عدم مسؤولية الرئيس والوزراء سياسياً أمام البرلمان، ولا يحق للرئيس بالمقابل حل البرلمان سواء بالنسبة لمجلس الشيوخ أو لمجلس النواب، وليس للوزراء أن يحضروا جلسات مجلس البرلمان بهذه الصفة .
ولكن في حقيقية الأمر أن هذا الفصل لا نجده في الواقع المصري فليس هناك فصلاً مطلقاً ومن أمثلة ذلك للرئيس الجمهورية حق الاعتراض على مشروعات القوانين التي وافق عليها البرلمان بل يتمتع الرئيس بحق حله، ويرأس المجلس الأعلى للهيئات القضائية، فالسلطة التنفيذية تهيمن على السلطتين التشريعية والقضائية .
وأعتقد أن لكل نظام سياسي مزاياه وعيوبه، ولا يمكن إدانة نظام معين لأنه نجح في دولة ما وفشل في دولة أخرى، فكل نظام لابد من أجل نجاحه وإمكانية تطبيقه أن يصل المجتمع إلى درجة معينة من الرقي والثقافة والتقدم العلمي والتعليمي ، مما يعكس متطلبات واحتياجات المجتمع والمصالح العليا له وأفضل وأنجع السبل لتحقيق الحكم الجيد ، فالخلل ليس في نظام بعينه وإنما في التطبيق،
وبالنسبة لمصر فإنه يمكن الجمع بين النظامين الرئاسي والبرلماني بالأخذ بمزايا كل نظام، أي الأخذ بالنظام المختلط مثلما هو الحال في النموذج الفرنسي،مع ضرورة أن يكفل هذا النظام تعزيزًا للمشاركة السياسية واستقلالاً كاملاً للسلطتين التشريعية والقضائية عن نظيرتهما التنفيذية ، مع الحفاظ على قوة الأخيرة ، والأخذ بهذا النظام يتطلب الفصل ما بين منصبي رئيس الدولة ورئيس الحكومة ، فيكون الأول حكمًا ما بين السلطات والقائد الأعلى للقوات المسلحة ، ويعين المحافظين وصانع السياسة الخارجية، ولكن في ذات الوقت ينبغي أن يكون الرئيس مسئولاً سياسياً أمام أية جهة فمن المتعارف عليه أنه لا سلطة دون مسئولية، في حين يقتصر نص الدستور 1971 على جواز محاكمة رئيس الجمهورية في حالتين جنائيتين هما الخيانة العظمى أو ارتكاب جريمة جنائية يعاقب عليها القانون بناء على اقتراح يقدم من ثلث أعضاء مجلس الشعب ويصدر قرار الاتهام بأغلبية ثلثي الأعضاء (م85) ، وهي مسئولية محددة موضوعياً من ناحية أولى ، ويصعب وضعها موضع التنفيذ للظروف المتعلقة بتشكيل مجلس الشعب من ناحية ثانية ،
و كذلك النص صراحة على وجود نائب للرئيس يتم انتخابه مع رئيس الجمهورية بين أكثر من مرشح ، وتحدد مدة الرئاسة بـ 5 سنوات بدلاً من 6 سنوات ، أما رئيس الحكومة فهو رئيس السلطة التنفيذية وتترك له سلطة تعيين الوزراء ويضع السياسة العامة للدولة بالتعاون مع الوزارات المعنية ، ويضع الخطة العامة والموازنة ، أما السلطة التشريعية فينبغي دعم دورها الرقابي بإعطاء أولوية لمشروعات القوانين المقدمة من أعضاء مجلس الشعب،وتوسيع الصلاحيات الممنوحة لها متمثلة في إدخال تعديلات على مشروع الميزانية العامة للدولة، وسحب الثقة من الحكومة ومحاسبتها ، وإقرار الموازنة العامة للدولة ، وإصدار التشريعات والقوانين ، أما السلطة القضائية فلابد من الحفاظ على استقلالها و ضمان وحدتها وتجانسها .
ونهاية أعتقد أن كافة الأفكار المبذولة حول الإصلاح السياسي تصلح أساساً لحوار خلاق وبناء نحو إعادة صياغة وهيكلة نظامنا السياسي بما يسمح بمشاركة جادة من الشعب ، وتحقيق معايير الشفافية والمحاسبة لأداء السلطة التنفيذية ،
وهذا يتطلب من الحزب الحاكم والحكومة أن تتوافر لديها الإرادة السياسية العملية للإصلاح وتعديل الدستور الذي يعتبر المقدمة الأولى للإصلاح ، فهل تقوم الحكومة والحزب الوطني بواجبهما في مناقشة المقترحات التي تشارك فيها كل القوى السياسية ، أما الأمر يتطلب القيام بتشكيل حركة وطنية شعبية للضغط على الحكومة من أجل تحقيق المطالب الشعبية بشأن الإصلاح الدستوري .
نشرت بجريدة المصري اليوم بتاريخ 23/2/2006
|
|
|