











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» مقالات الأمين العام
|
مصر ومأزق تحسين أوضاع حقوق الإنسان
|
تقدمت وزارة الخارجية المصرية بطلب الانضمام إلى عضوية المجلس الدولي لحقوق الإنسان في دورته الثانية بعد التعديل الذي بموجبه تم تحويل لجنة حقوق الإنسان إلى المجلس الدولي والذي نص في قرار تأسيسه على ضرورة تمتع الدول الأعضاء بسجل جيد وناصع في مجال احترام حقوق الإنسان ، كما يجب على الدول أن يكون لها نشاط فاعل في قضايا حقوق الإنسان داخل آليات الأمم المتحدة .
ويضم المجلس في عضويته 47 دولة يتم اختيارهم على أساس تمثيل جغرافي بحيث يكون لكل منطقة جغرافية تمثيل في المجلس بذات الشروط الخاصة بنظافة سجلها في مجال حقوق الإنسان .
والسؤال هنا : هل أعدت الحكومة المصرية ملفاً يصلح للتقدم بطلب العضوية ؟ .
ومما يدعو للاستغراب انه قد صاحب التقدم بطلب التسجيل عدة انتهاكات في مجال حقوق الإنسان تدعونا للتوقف عندها ، ومن أمثلتها قيام قوات الأمن بغلق مقر دار الخدمات النقابية والعمالية بإجراءات تعسفية مخالفة للقانون ، وذلك عقب اتهامات لها من قبل اتحاد العمال بأنها تقف خلف الاضرابات العمالية ، وتقديم الدعم القانوني لهم وتعزيز حقوقهم للمطالبة بها ، وهي بالطبع مطالب مشروعة لا يختلف عليه أحد ، ولا يجب عقاب منظمة حقوقية تقدم الدعم للعمال لتعزيز مطالبهم المشروعة .
وفي انتهاك لحرية الرأي والتعبير ، صدر حكم محكمة شمال القاهرة بحبس الصحفية هويدا طه بالجبس 6 أشهر ، وذلك لاعدادها فيلم عن التعذيب في مصر ، وإعداد مشاهد محاكاة للتعذيب كما ورد على لسان الضحايا وهو تكنيك متعارف عليه فيما يخص الأفلام التسجيلية .
وما كشفته الصحفية هويدا من تعذيب هو ذاته ما وثقته منظمات حقوق الإنسان من قبل ، بل وذكره تقرير المجلس القومي لحقوق الإنسان ، بل ووصفت لجنة مناهضة التعذيب وهي لجنة تابعة للأمم المتحدة ، التعذيب في مصر بأنه سياسة منهجية تجرى في أقسام الشرطة ومقرات مباحث أمن الدولة ، وذلك لأن الحكومة لم تقدم للجنة مناهضة التعذيب ما يؤكد وجود إرادة سياسية لمواجهة جرائم التعذيب ، بل وأن المادة 126 من قانون العقوبات المصري تتناقض مع بنود اتفاقية مناهضة التعذيب .
وفي انتهاك لحق آخر من حقوق الإنسان ، أحيل حوالي 33 من الإخوان المسلمين إلى القضاء العسكري مما يعد انتهاكاً للحق في المحاكمة العادلة والمنصفة ولاسيما وأن التهم الموجهة لهم تدخل في اختصاص محاكم الجنايات العادية ، وهو القرار الذي قبلت الطعن عليه محكمة القضاء الإداري بجلسة 8/5/2007 ، وقرار المحكمة وقف تنفيذ قرار رئيس الجمهورية بإحالة المتهمين من الإخوان إلى القضاء العسكري والذي جاء مستنداً إلى المادة 6 من قانون الأحكام العسكرية ، والتي بموجبها يتيح لرئيس الجمهورية متى أعلنت حالة الطوارىء أن يحيل أيًا من الجرائم إلى المحاكم العسكرية رغم تكرار الحكومة موقفها الدائم بعدم استخدام حالة الطوارىء ضد المدنيين أو المتهمين في قضايا جنائية أو الخصوم السياسيين.
والانتهاكات سالفة الذكر، هي مقدمة لإعداد الملف المصري للتقدم بعضوية المجلس الدولي لحقوق الإنسان ، فهل سجل مصر في مجال حقوق الإنسان ونشاطها في الأمم المتحد يؤهلانها للفوز بعضوية المجلس ؟؟.
هنا يجدر الإشارة إلى تقرير صدر حديثاً عن منظمتين دوليتين هما مراقبة الأمم المتحدة وفريدم هاوس والذي يتضمن تقييم للدول المتقدمة إلى عضوية المجلس الدولي وعددها 15 دولة وهي تتنافس على أربعة عشر مقعداً، ووصف أربع دول بأنها غير مؤهلة لعضوية المجلس تأسيساً على موقفها داخل آليات الأمم المتحدة الخاصة بحقوق الإنسان ، وهذه الدول الأربع هي : مصر ، قطر ، روسيا البيضاء ، أنجولا ، وبرغم أن هذا التقرير غير ملزم إلا أنه له تأثير على تصويت الدول ، وفي الحقيقة إن هذا التقرير يستند إلى حقائق هامة واجب الإشارة إليها آلا وهي:
أولاً: موقف الحكومة المصرية من اعلان المدافعين عن حقوق الإنسان الصادر سنة 1998 والذي تحفظت مصر مع 25 دولة أخرى عليه .
ثانيًا : رفض الحكومة المصرية التوقيع على البروتوكول الاختياري الخاص بالعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية والذي يسمح بموجبه للأفراد بتقديم شكاوى بشأن انتهاكات حقوق الإنسان .
ثالثاً : رفض مصر التوقيع على البروتوكول الخاص باتفاقية مناهضة التعذيب الذي يسمح بتلقي شكاوى المواطنين الخاصة بالتعذيب ويسمح للمقرر الخاص بالقيام بزيارات للبلد المعني وتقصي الحقائق حول الانتهاكات الخاصة بالتعذيب.
رابعًا : رفض مصر التصديق على اتفاقية روما الخاصة بإنشاء المحكمة الجنائية الدلية بل وإبرام اتفاقيات مع الولايات المتحدة لحماية الجنود الأمريكان من الملاحقة الجنائية في حالة الاتهاك بارتكاب جرائم حرب أو جرائم ضد الإنسانية .
خامسا : رفض مصر طلب لجنة حقوق الإنسان والعمال المهاجرين التحقيق في انتهاكات الخاصة بالهجوم على السودانيين طالبي اللجواء في ميدان مصطفى محمود بالمهندسين والذي أدى إلى مقتل حوالي 27 سودانيًا دون ذنب .
يضاف إلى ما سبق، ما تضمنه التعديلات الدستورية الأخيرة من انتهاكات لحقوق الإنسان ، وبالتحديد المادة 179 والتي قيدت المواد 45،44،41 من الدستور ، وهي المواد الخاصة بالحرية الشخصية وحرمة الحياة الخاصة وحرمة المنازل وعدم جواز القبض على الأشخاص وتفتيشهم وتفتيش منازلهم ومراقبة اتصالاتهم وبريدهم إلا بإذن من السلطة القضائية ، كما تضمت المادة جواز إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، وعليه يعد تعديل المادة 179 من أخطر التعديلات وأشدها خطورها على حقوق الإنسان في مصر .
وكذلك استمرار حالة الطواراىء واستمرار اعتقال المواطنين بقرارات ادارية ، ومن أمثلة ذلك ما تشهده سيناء من اعتقالات لأبنائها حتى الآن دون توجيه اتهامًا لهم ، وكذلك استمرار اعتقال عدد من الفلسطينين دون اتهام ، برغم حصولهم على قرارات بالإفراج من المحاكم المصرية ، إلا أن وزارة الداخلية تعيد اعتقالهم بصورة متكررة .
في واقع الأمر أن ملف حقوق الإنسان في مصر يتضمن العديد من الانتهاكات والتي لاتزال منظمات حقوق الإنسان تطالب بوقفها ، ومن أمثلتها الاعتقال المتكرر والاختفاء القسري والتعذيب والعقاب الجماعي وانتهاكات حرية الرأي والتعبير واستمرار عقوبات الحبس في مواجهة الكتاب والمفكرين والمدونين على الانترنت وكذلك حريات الفكر والاعتقاد وملف البهائين وحرمانهم من اعلان هويتهم الدينية .
إن هذا السجل الحقوقي المليء بالتجاوزات والخروقات لحقوق الإنسان يشكل عقبة رئيسية أمام طلب الانضمام لعضوية المجلس الدولي لحقوق الإنسان ولاسيما وأن الحكومة المصرية برغم تأسيس المجلس القومي لحقوق الإنسان لم تتفاعل بإيجابية مع توصياته وكذلك تجاهلت تمامًا توصيات منظمات حقوق الإنسان وتضيف كل يوم إلى سجلها المزيد من الانتهاكات ، بل وتصر على أن تظل التشريعات والقوانين المصرية مخالفة للاتفاقيات الدولية الموقعة عليها .
وأخيراً ، إذا كانت الحكومة المصرية جادة في طلب عضوية المجلس الدولي لحقوق الإنسان فإنها مطالبة بإثبات حسن النية وتتوافر لديها الإرادة السياسية الواضحة لمكافحة انتهاكات حقوق الإنسان ، ليكون هناك ملفًا ناصعًا في المجال الحقوقي ، وهذه مجموعة من المطالب نتقدم بها للحكومة بهدف تحسين وضعية حقوق الإنسان في مصر ولعل أهمها :
1- إلغاء حالة الطوارىء والعودة إلى الشرعية الدستورية وكذلك إلغاء كافة القوانين الاستثنائية .
2- الإفراج الفوري عن كافة المعتقلين بشكل متكرر الذين تم اعتقالهم بالمخالفة لأحكام القضاء بالإفراج عنهم أو تبرئتهم من التهم المنسوبة إليهم من خلال محاكمة عادلة أمام قضاء طبيعي احترامًا لأحكام القانون والدستور ولقدسية أحكام القضاء.
3- قيام وزارة الداخلية بإلاعلان عن عدد المعتقلين في السجون المصرية، على أن يشمل هذا الإعلان الرسمي أسباب الاعتقال ومبرراته وعدد المرات التي تكرر فيها الاعتقال وأسبابه. فمن الملاحظ أن وزارة الداخلية تتبع آلية تهدد فيها الأحكام القضائية من خلال عمل إجراءات إفراج شكلية تتمثل في إطلاق سراح المعتقل من السجن المودع فيه واحتجازه في أقرب قسم شرطة لمدة تتراوح بين أسبوع أو أسبوعين، حتى يتم استصدار قرار اعتقال جديد أو إعادته إلى السجن مرة أخرى.
4- ضرورة تصديق الحكومة المصرية على الإعلانين المشار إليهما في المادتين 21، و22 من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب واللذان يمكن بمقتضاهما للجنة مناهضة التعذيب بالأمم المتحدة أن تبت في الشكاوى المقدمة من دول وأشخاص تتعلق بانتهاك مصر لالتزامها المنصوص عليها في الاتفاقية. إن مصادقة مصر لهذين الإعلانين سيكون دليلا على أنه ليس لدى السلطات ما تخشاه في المستقبل في مجال التزامها بتجريم التعذيب وإساءة المعاملة في السجون ومراكز الاحتجاز المختلفة.
5-تعديل نص المادة 126 من قانون العقوبات بما يتناسب مع نص المادة الأولى من الاتفاقية الدولية لمناهضة التعذيب التي صادقت عليها مصر عام 1986 والتي تعرف التعذيب بأنه ألم أو عذاب جسدي أو عقلي ولا يشترط أن يكون مستهدفا انتزاع اعترافات فقط مثلما ينص القانون المصري.
6-إلغاء إحالة المدنيين إلى المحاكم العسكرية، كما ينبغي تعديل قانون الأحكام العسكرية رقم 25 لسنة 1966 لتقتصر المحاكم العسكرية على محاكمة العسكريين المتهمين بارتكاب جرائم عسكرية فقط والجرائم الواقعة داخل الوحدات والثكنات العسكرية.
7-إلغاء محاكم أمن الدولة العليا " طوارئ " لما تمثله تلك المحاكم من انتهاك صارخ لحق الإنسان في الحصول على محاكمة عادلة ومنصفة ؛ فتلك المحاكم تتشكل بأمر رئيس الجمهورية وفقا لقانون الطوارئ رقم 162 لسنة 1958 وتعديلاته باعتبارها محاكم استثنائية، من حيث أنه لا يجوز الطعن على أحكامها بأي طريق إلا أن يكون لرئيس الجمهورية الحق في إلغاء الأحكام الصادرة منها وإعادة محاكمة المتهمين وحقه أيضا في إلغاء العقوبة وعدم اعتبار أحكامها نهائية إلا بعد التصديق عليها من قبل رئيس الجمهورية.
8-إلغاء كافة العقوبات السالبة للحريات في قضايا النشر، حماية لحرية الصحافة والصحفيين ، وإعمالاً للدستور والمواثيق الدولية التي كفلت الحق في حرية الرأي والتعبير، مع الاكتفاء بعقوبات الغرامة مع وضع حد أقصى لتلك الغرامات، لا سيما أن للمتضرر من النشر حق الرد بذات الجريدة والادعاء مدنياً لطلب التعويض المناسب أمام المحكمة المدنية، إذا ثبت مخالفة الصحفي لميثاق الشرف الصحفي.
9-العمل على تعزيز حرية الاعتقاد بالسماح لأصحاب الديانات المختلفة من المصريين بقيد دياناتهم في بطاقة الهوية الشخصية.
10-إلغاء قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 وتعديلاته الأخيرة لعام 2005،وسن قانون جديد للأحزاب يتضمن القواعد التالية :
1. تكوين الأحزاب السياسية بالأخطار،على أن يكتفي القانون بالنص على شروط عامة تكفل التعبير السياسي السلمي و الديمقراطي عن كل توجهات الشعب المصري.
2. حظر تكوين الأحزاب ذات التشكيلات والتنظيمات العسكرية أو شبه العسكرية، أو التي تقوم على أسس دينية ، أو عقائدية ، أو طائفية ، أو عرقيه.
3. إلغاء لجنة شئون الأحزاب المشكلة بمقتضى القانون رقم 40 لسنة 1977، وإنشاء لجنة جديدة يتولى رئاستها رئيس مجلس الشورى ، وتضم في عضويتها الأحزاب الممثلة في مجلسي الشعب والشورى ، وتختص بفحص ودراسة إخطارات تأسيس الأحزاب السياسية ومدى مطابقتها لأحكام القانون، وطلب أية مستندات أو أوراق أو إيضاحات ترى لزومها من ذوي الشأن أو من أية جهة رسمية أو تكليف أية جهة رسمية بإجراء تحقيق أو بحث أو دراسة للتوصل إلى الحقيقة فيما هو معروض عليها ، كما تقوم اللجنة بإخطار رئيسي مجلسي الشعب والشورى بأسماء المؤسسين ليتولى المجلسين إعلان تلك الأسماء في جريدتين يوميتين.
11-إلغاء القرار الصادر بإغلاق فرع دار الخدمات النقابية والعمالية في حلوان ونجع حمادي والمحلة الكبرى من أجل رفع الحصار عن دار الخدمات ومؤسسات المجتمع المدني الأخرى التي تعرضت وتتعرض للحصار، والسماح لدار الخدمات بتوفيق أوضاعها وفقاً لقانون الجمعيات رقم 84 لسنة 2002.
أن من حق الشعب المصري أن يكون سجل دولته في مجال حقوق الإنسان مشرفاً ، وأن تكون حقوقه الأساسية محل احترام وتقدير ، ليس لاعتبارات السمعة الدولية فحسب ، وإنما أيضًا باعتبار أن حقوق الإنسان هي من الحقوق الأساسية التي اتفقت عليها الأمم المتحضرة لتأمين الكرامة المتأصلة في الإنسان بالميلاد .
حافظ أبو سعده
الأمين العام للمنظمة المصرية لحقوق الإنسان
مقال نشر بصحيفة الدستور بتاريخ 10/5/2007
|
|
|