المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
The Egyptian Organization for Human Rights
المنظمة المصرية
تقا
ري

ر

 فبراير 2003
تقرير

المقدمة      القسم الأول      القسم الثانى      القسم الثالث      القسم الرابع     القسم الخامس  

الخاتمة والتوصيات       الملاحق الإحصائية

أثر قانون الطوارئ على حاله حقوق الانسان فى مصر

(1992-2002)

أولا:  الطوارئ و حقوق الانسان 

يعد قانون الطوارئ الحالي رقم 162 لسنة 1958 الحلقة الأخيرة من سلسلة الأحكام العرفية التي شهدتها مصر منذ مطلع القرن الماضي إبان الاحتلال البريطاني وحتي الان.  وقد بدأت تلك السلسلة من الاحكام العرفية لأول مره عام 1914 أثناء الحرب[1] العالمية الاولي. قبل ذلك كانت مصر جزءاً من الامبراطورية العثمانية وكان التشريع في يد الوالي. وظل الوضع علي هذا النحو حتي انشاء مجلس النظار في 28 اغسطس عام 1878 و تلاه صدور أمر عال في 10 ديسمبر سنة 1878 بشأن اختصاصات النظار ووظائفهم، و بذلك لزم _ لصحة القوانين _ أن يوقع عليها الناظر أو النظار المتخصصون، و بعد أن احتلت بريطانيا البلاد جعلت التشريع من اختصاص الخديوي  ومجلس النظار، يعاونهم مجلسان هما مجلس شوري القوانين والجمعية العمومية . ثم عدل هذا النظام وانشئت الجمعية التشريعية التي لم تجتمع الا في دورة واحدة ثم توقفت جلساتها نتيجة نشوب الحرب العالمية الاولي في سنة 1914. وظل الحال كذلك الي أن صدر دستور 1923 في 19 ابريل من العام ذاته الذي جعل سلطة التشريع في يد مجلس النواب والشيوخ بالاشتراك مع الملك ، وبصدور دستور 1923 الذي تضمن في مادته[2] " 45 " (النص علي أن الملك يعلن الاحكام العرفية وتعرض فوراً علي البرلمان ليقرر استمرارها أو الغاءها، فاذا وقع ذلك الاعلان في غير دورة الانعقاد وجبت دعوة البرلمان علي وجه السرعة.

كما نصت المادة 155 من دستور 1923 علي انه لا يجوز بأية حال تعطيل حكم من احكام الدستور الا أن يكون ذلك وقتياً في زمن الحرب.

وعلي ضوء هذه النصوص الدستورية صدر قانون الاحكام العرفية رقم 15 الصادر في يونيو 1923 ونص في مادته الاولي علي:

1 جواز اعلان الاحكام العرفية إذا تعرض الامن والنظام العام في الاراضي أو في جهة للخطر سواء كان ذلك بسبب إغارة قوات العدو المسلحة أو بسبب وقوع اضطرابات داخلية.

2 حالة تأمين سلامة الجيوش المصرية وضمان تموينها وحماية مواصلاتها، وغير ذلك في ما يتعلق بتحركاتها واعمالها العسكرية خارج المملكة المصرية.

ثم صدر القانون 73 لسنة 1948 والذي نص علي "جواز اعلان الاحكام العرفية في حالة الحرب الهجومية وتضمنت مادته الثالثة العديد من التدابير المختلفة التي يجوز للحكومة اتخاذها في زمن اعلان الاحكام العرفية وجاءت اغلب هذه التدابير تقييداً للحقوق الفردية      والحريات العامة.

 ويلاحظ علي ضوء النصوص السلفة أن نظام الاحكام العرفية في مصر في ظل دستور 1923 كان اقرب الي القانون العسكري إذ تم وضعه علي اساس الاحكام العرفية العسكرية    وليس علي اساس نظام الاحكام العرفية السياسية.  كما انه لم يتضمن الاعتقال كتدبير من التدابير الوقائية لسلطة الطوارئ، ثم صدر دستور 1930 في 22 اكتوبر والذي ابقي علي النصوص المتعلقة بتنظيم الاحكام العرفية وزاد عليها ما اعتبره الفقهاء في ذلك الوقت ضربة قاصمة للحياة النيابية في مصر، كما أنه اهدر مبدأ الفصل بين السلطات، اذ نص دستور 1930 علي جواز تعطيل الجرائد والنشرات الدورية من شهر الي ثلاثة اشهر بقرار من محكمة الاستئناف بناءاً علي طلب المحكمة العمومية واذا استرسلت بالاخبار الكاذبة أو بالكتابات أو بغير ذلك من وجوه التحريض والاثارة في حملة من شأنها تعرض النظام الذي قرره الدستور للكراهية أو أن تهدر السلام العام.

والغي دستور 1930 بموجب الامر الملكي رقم 67 في نوفمبر 1934 واعيد العمل بدستور 1923 بمقتضى الامر الملكي رقم 118 في 12 ديسمبر 1935. وفي 15 ديسمبر 1952    وبعد قيام ثورة يوليو تم اسقاط دستور 1923، وصدر الاعلان الدستوري المؤقت في 15 فبراير 1953 و الذي نص في مادته الثامنة علي : " يتولي قائد الثورة بمجلس قيادة الثورة اعمال السيادة العليا وبصفة خاصة التدابير التي يراها ضرورية لحماية هذه الثورة والنظام القائم عليها لتحقيق اهدافه". وفي 5 مارس 1958 صدر الدستور المؤقت 1958 والذي نص في مادته 57 : أنه " لرئيس الجمهورية حق اعلان حالة الطوارئ " . وصدر في ظل دستور 1958 القرار رقم 162 لسنة 1958 وهو المعمول به حالياً والذي ادخل لاول مرة مصطلح الطوارئ بدلاً من الاحكام العرفية واستبدل الاوامر العسكرية بأوامر رئيس الجمهورية واعطي سلطة الطوارئ اعتقال المشتبه فيه (المادة 3).

ويمنح قانون الطوارئ السلطة التنفيذية سلطات واسعة لوضع القيود علي حرية الأفراد       وحقوقهم الدستورية فمنها سلطة وضع القيود علي حرية الأشخاص في الاجتماع والانتقال  والاقامة والقبض علي المشتبه فيهم أو الخطرين علي الامن واعتقالهم و تفتيش الاشخاص والاماكن دون التقييد بأحكام قانون الاجراءات الجنائية[3]، وهو ما يمثل انتهاكاً صارخاً للحقوق والضمانات التي حرص الدستور المصري علي تأكيدها في المادة "41 " الخاصة بالحرية الشخصية، و المادة " 42 " الخاصة بحرمة المساكن، و المادة " 50 " الخاصة بحرية الاقامة، و التنقل، و المادة " 54 "  الخاصة بحرية الاجتماع ، كما تهدر الحقوق و الضمانات المنصوص عليها في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و منها المادة " 9 " الخاصة بالحرية الشخصية و المادة " 12 " الخاصة بحرية التنقل و المادة " 21 " الخاصة بحق التجمع السلمي .

كما تعطي المادة " 3 " من قانون الطوارئ للحاكم العسكري أو من ينيبه سلطة الامر بمراقبة الرسائل و الصحف و النشرات و المطبوعات و المحررات،  وينتهك كافة وسائل التعبير      و الدعاية و الاعلام قبل نشرها و ضبطها و مصادرتها و تعطيلها ، و هو ينتهك حرمة الحياة الخاصة للمواطنين و مراسلاتهم و برقياتهم و محادثاتهم التليفونية المقررة في المادة " 45 " من الدستور. ويعد ايضاً انتهاكاً لحرية الرأي و التعبير و النشر المقررة في المادة " 48 " من الدستور، وحرية البحث العلمي و الادبي المقررة في المادة " 49 " ، كما تهدر تلك السلطة أيضا نص المادتين 17 ، 19 من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية .

علي أن الأهم هو ما يتيحه قانون الطوارئ من حرية واسعة للسلطة التنفيذية ، في عدم التقيد بالأحوال المنصوص عليها في قانون الإجراءات الجنائية للقبض علي المتهمين ، إذ يجوز القبض في الحال علي المخالفين للأوامر التي تصدر طبقاً لاحكام قانون الطوارئ و الجرائم المحددة في هذه الأوامر[4]  ، و ذلك بالمخالفة لاحكام الدستور و العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية و بموجب قانون الطوارئ تنشأ محاكم استثنائية للنظر في الجرائم التي تقع بالمخالفة لاحكام الأوامر التي يصدرها رئيس الجمهورية أو من يقوم و هي محكمتا أمن الدولة الجزئية و العليا[5]  و الترخيص بأن يدخل العنصر العسكري في تشكيل ذاك النوع من المحاكم ، إذ يجوز لرئيس الجمهورية أن يأمر بتشكيل دائرة أمن الدولة الجزئية من قاض و اثنين من ضباط القوات المسلحة و بتشكيل دائرة أمن الدولة العليا من ثلاثة مستشارين و من ضابطين من الضباط القادة[6]  ، و هو ما يعد انتهاكاً جسيماً للمعايير الدستورية و الدولية الخاصة بالفصل بين السلطات و استقلال القضاء و حصانة القضاة و التي تنص عليها المواد من " 165 الي 173 " من الدستور ، و المادة " 14 " من العهد الدولي للحقوق المدنية و السياسية .

كما يجوز لرئيس الجمهورية وفقاً للمادة " 9 " من قانون الطوارئ أن يحيل الي محاكم أمن الدولة الجزئية الجرائم التي يعاقب عليه القانون العام و هو ما يعد مخالفة واضحة لنص المادة " 40 " بند 9 من الدستور التي تقر مبدأ " المساواة بين المواطنين " و ما يتفرع عنه من حق كل مواطن في الالتجاء الي قاضية الطبيعي الذي اكدتة المادة " 68 " من الدستور ، كما يعد انتهاكاً جسيماً لنص المادة " 14 " من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية السياسية [7] .

و لا يتصور بطبيعة الحال في ضوء هذه السلطات الاستثنائية التي تتمتع بها السلطة التنفيذية الحديث عن مجتمع ديمقراطي تسوده ضمانات لحماية حقوق الانسان و حرياته الأساسية .

هذا في الوقت الذي درج القضاء الاداري في مصر علي اعتبار أن اعلان حالة الطوارئ هي من اعمال السيادة التي لا يجوز مناهضتها قضائياً و من ثم لا يجوز للقضاء أن ينظر اية دعاوي لالغائها ، و هو ما يعد مخالفة لنظام ازدواج  القضاء الذي أخذت به مصر بدء من سنة 1946 بإنشاء مجلس الدولة و التي يقوم فيها القاضي الاداري بتحقيق المخالفة من السلطة التنفيذية لا باعتبارها سلطة حكم و انما بحسبها سلطة الادارة كما يعد تحصين قرار اعلان الطوارئ رغم أثاره السلبية الواسع من رقابة القضاء تجسيداً للقيد الخطير علي مبدأ المشروعية الذي يمثل المحور الاساسي و حجر الزاوية في قيام الدولة القانونية.

و مما زاد الامر سوءاً أن الاستقرار و الثبات الذي تمتع به قانون الطوارئ قد ادي الي تسلل العديد من نصوصه الي البنية التشريعية فقد شهدت العشرين عاماً الماضية قيام الحكومة باستنساخ العديد من نصوص قانون الطوارئ  في صورة تشريعات يصدرها مجلس الشعب ذو الاغلبية الحكومية. من بين هذه القوانين القانون رقم 95 لسنة 1980 بشأن حماية القيم من العيب ، القانون رقم 108 لسنة 1980  باضافة حالات جديدة للاشتباه الذي نظمه المرسوم بقانون رقم 98 لسنة 1945 و كذلك التعديلات التي اجريت علي قانون العقوبات والاجراءات التي عرفت باسم قانون مكافحة الارهاب في 16/7/1992 .

وعلي الرغم من كافة النداءات المحلية و الدولية الموجهة للحكومة المصرية بانهاء حالة الطوارئ بعد انتفاء مبرراتها بالقضاء نهائياً علي الارهاب و هي الحجة التي كانت تتذرع بها الحكومة عند طلب تمديد العمل بقانون الطوارئ الا ان كل هذه النداءات ذهبت أدراج الرياح ولازالت لجنة مناهضة التعذيب بالامم المتحدة و منذ سنة 1993 تؤكد في تقاريرها أن قانون الطوارئ يمثل عقبة خطيرة أمام تنفيذ العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية و السياسية.


[1] راجع كتاب " باب علي الصحراء " تأليف د . جهاد عوده _ أ . نجاد البرعي ـ أ . حافظ ابو سعده صـ 42 و ما بعدها

[2] راجع كتاب " نشطاء بلا حماية " البرنامج العربي لنشطاء حقوق الانسان 1997.

[3] المادة 3 من قانون الطوارئ .

[4] المادة السادسة من قانون الطوارئ

[5] المادة السابعة بند 1 من قانون الطوارئ

[6] المادة السابعة بند 4 من قانون الطوارئ .

[7] راجع في كتاب المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بعنوان الاعتقال المتكرر في مصر _ تحرير : محمد الغمري _ إشراف : حافظ أبو سعده .

عودة للأولى
الانجليزية عن المنظمة بيانات تقارير تقارير سنوية حقوق المرأة حملات لاجئين روابط


بريد


.



حقوق الطبع محفوظة © المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
8/10 شارع متحف المنيل - منيل الروضة - القاهرة - مصر
هاتف : 3636811 - 3620467(202 ) ... فاكس : 2023621613