• English
  • عن المنظمة
  • صالون فتحي رضوان
  • بيانات صحفية
  • تقارير ودراسات
  • التقرير السنوي
  • الدعم القانوني للنساء
  • حملات
  • الاجئين
  • دورات تتدريبية
  • شارك معنا
  • أخبار حقوق الإنسان
  • مواقع أخري

  • eohr@eohr.org
    info@eohr.org
    دفاعاً عن حرية الفكر والإبداع
    " الضبطية القضائية للأزهر مطرقة على حرية الفكر"
    تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان

      القسم الثالث : حماية الدين وحرية الفكر ......إشكالية تبحث عن حل

      تكفير الكتاب والباحثين والأدباء والفنانين عملية تواصلت في كل مراحل التاريخ الإسلامي، وارتبطت في العصر الحديث ، لا فحسب بجامعة الأخوان المسلمين وإنما بكل الحركات ، التي اتخذت لنفسها مرجعية دينية في السياسة ، وأسهمت بذلك في تعطيل نمو البحث العلمي والإبداع الأدبي والفني ، ووضع قيود على حرية كل من العقل والخيال باسم الدين . ومنذ مصادرة كتاب طه حسين " في الشعر الجاهلي" في الثلث الأول من القرن العشرين ، خسرت عدة أجيال لاحقة من الباحثين والمفكرين ، إمكانية تطوير المنهج العلمي ، الذي اتبعه الباحث ونقده بهدف تجاوزه ، وأسهمت الحملة ضد راوية " أولاد حارتنا" لنجيب محفوظ في الحد من قدرة المبدعين على التعامل بحرية مع الوقائع التاريخية المرتبطة بنشوء الأديان كافة ، بل إن تكفير د " فرج فودة" وصولاً إلى التحريض على قتله ثم قتله فعلاً قد ألقى بستر كثيفة على البحث العلمي في ميدان الإسلاميات .

      ووصل الأمر ذروته بصدور قرار وزير العدل الأخير ، والذي قضى بمنح الضبطية القضائية لمفتشي الأزهر ، وجاءت ردود الفعل إزائه متبلورة في وجهتي نظر هما :
      وجهة النظر الأولى :
      ويرى أصحاب وجهة النظر هذه من رجال الدين ومشايخ الأزهر وأعضاء مجمع البحوث الإسلامية أن منح الضبطية القضائية للأزهر لا يعني عودة محاكم التفتيش أو مصادرة الإبداع ، ولكن الهدف من ذلك حماية الدين والثقافة الإسلامية وتجريدها من الشوائب والمدسوسات والخرافات ، مؤكدين أن منحهم الضبطية القضائية يعتبر حقاً أصيلاً لهم قد تأخر لسنوات طويلة ، وأنه وسيلة وليست غاية لتحقيق دور المجمع والأزهر في الدفاع عن الدين والحفاظ على التراث الإسلامي ، لاسيما بعد أن اجتاحت الأسواق موجة شرائط كاسيت ومؤلفات تحمل أخطاء جسيمة وكذلك مصاحف تحوي أخطاء في السور والآيات ، ويرون أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ، وأن حصول أعضاء المجمع على الضبطية القضائية إضافة للدور الذي كان يلعبه المجمع في حظر المطبوعات التي تسئ للدين سواء كانت شرائط كاسيت أو مطبوعات، كما أن هذه الضبطية تعطي الحق لمفتشي المجمع في ضبط كل ما من شأنه أن يسئ للدين ، وأن يعرض على المجمع لفحصه ، وإعداد التقارير اللازمة حول المضبوطات التي تضبط في الأسواق وخاصة التي لا تحمل تراخيص من الأزهر، وبالتالي فإن قرار الضبطية القضائية يخص طباعة ونشر المصحف الشريف والأحاديث النبوية، وليس في مراقبة طبع ونشر القرآن الكريم ما يمس حرية الإبداع الفكري أو الفني على حد قولهم .

      ويرى أصحاب هذا الرأي أن القانون رقم 103 لسنة 1961 الخاص بتنظيم شئون الأزهر قد حدد مسئوليات المجمع والذي جاء في مادته الخامسة عشرة "أن مجمع البحوث الإسلامية هو هيئة إسلامية عليا يقوم بدراسة كل ما يتصل بالبحوث والدراسات والشئون الإسلامية ، كما يعمل على تجديد ثقافة الإسلامية وتجريدها من الفضول والشوائب، كما يختص ببيان الرأي الشرعي في كل ما يستجد من قضايا ومشكلات مذهبية أو اجتماعية تتصل بالعقيدة الإسلامية ، مع متابعة ما ينشر عن الإسلام والتراث الإسلامي بمجالاته المختلفة ومواجهتها بالتصحيح والرد في حالة تجاوزها لما هو معلوم من الدين بالضرورة، بالإضافة إلى أن سلطات المجمع محددة بالقانون الذي ينظم كيفية التعامل مع ما يعرض عليه من مؤلفات أو مطبوعات والتي من واجباته بيان الرأي الشرعي والفقهي فيها، وللمجمع أن يصدر توصيات إلى العاملين في مجال الثقافة الإسلامية والهيئات العامة والخاصة والأفراد بالرأي الواجب اتخاذه ، وذلك بعد دراسة ومناقشة مستفيضة من قبل أعضاء المجمع".ولهذا فإن الأمر قد تغير وتطور بعد حصول مجمع البحوث الإسلامية على الضبطية القضائية التي أعطته الحق في مراجعة دور النشر فيما تطبعه من مطبوعات تتعلق بالنواحي الشرعية ، وضبط كل ماهو مخالف أو لم يحصل على تراخيص مسبقة من الأزهر في طباعة هذه الكتب ، حيث جاءت هذه الضبطية بعد الطلب الذي تقدم به أعضاء المجمع لوزارة العدل -بعد أن كان دورهم يقتصر على إبداء الرأي للهيئات والمؤسسات والجهات الرقابية والأفراد فقط- حتى يستطيعون أداء دورهم في تنقية التراث الإسلامي والمؤلفات والمطبوعات الدينية من الأخطاء التي تسئ للإسلام أو تنكر ما هو معلوم من الدين بالضرورة ، وذلك عن طريق النزول للأسواق للبحث والتفتيش عن هذه المطبوعات التي أغرقت الأسواق المصرية ، والتي اعتبرها المجمع خطراً يجب التصدي له، ولذلك فإن هذه الضبطية جاءت لمصلحة الإسلام والمسلمين ولكل الأديان الأخرى.

      وفي ضوء ما سبق ، يؤكد أنصار هذا الرأي أن مجمع البحوث والدراسات الإسلامية هو الهيئة العليا للبحوث والدراسات الإسلامية، ومن حقه النظر فيها ومراقبتها وتصويبها، أو الحكم بفسادها طبقا للقانون 103؛ ولذلك لا يجوز منع مؤسسة تقوم بعملها طبقا للقانون؛ بحجة حرية الفكر أو ما يسمى لدى البعض إبداعاً، وهو يخلو من أي قيمة جمالية أو علمية على حد قولهم ، فمجمع البحوث لا يصادر، وهذا بنص القانون، وهو يقوم بدوره عند عرض أية كتب أو مؤلفات تأتيه من جهات عديدة، مثل إدارة المطبوعات أو النشر، أو مباحث أمن الدولة، ثم يقوم المجمع بدراسة هذه الكتب ويقدم توصية إذا ما وجد بالكتب ثَمة ازدراء أو إهانة لأركان الإسلام وثوابته، أو تهديدا للقيم الخلقية التي تعترف بها الأديان السماوية، ثم تقدم تلك التوصية للجهات صاحبة الشأن التي تقرر هي المصادرة أم لا. فالمجمع لا يحكم بالمصادرة. أما اللجنة الموكل إليها صلاحية الضبط القضائي فهي خاصة بالمصحف وكتب الصحاح أو الكتب التي تحوي نصوصا قرآنية أو أحاديث نبوية، ومهمتها مراجعة الضبط والنظم والهجاء، وهذا حق أصيل للمجمع .

      ومن أنصار هذا الرأي المستشار طارق البشري -نائب رئيس مجلس الدولة الأسبق، صاحب الفتوى القانونية التي أصدر بناء عليها وزير العدل السابق المستشار فاروق سيف النصر قراره بمنح عشرة من أعضاء مجمع البحوث صلاحية الضبطية القضائية- ويرى أن هذه القضية قد تم فهمها بشكل خاطئ؛ حيث إن المقصود بالرقابة هنا ليست الرقابة على الكتب والإبداع، ولكن على طباعة المصحف والأحاديث النبوية الشريفة، وهذا طبقا للقانون 1985 الذي يمكن الأزهر من تطبيق الرقابة على نصوص القرآن الكريم والأحاديث النبوية.أما بخصوص قرار وزير العدل الأخير بمنح بعض رجال المجمع صفة الضبطية القضائية؛ فيؤكد البشري أنه آلية تنفيذية لمنطوق القانون، وهى تماثل ما يقوم به مفتشو التموين في إنفاذ السعر الجبري للسلع التموينية، أو مفتشو وزارة الصناعة الذين يقومون بالتحري على قواعد الأمان الصناعية ومراقبة الجودة؛ فالتفتيش يتم في إطار قانون معين يمكن الشخص ذا صفة الضبط من المراقبة على تنفيذ القوانين الموجودة، والتي أناطها المشرع الوضعي للجهة الموكل إليها تطبيق القانون، وهي تتم بضوابط محددة وتحت إشراف القضاء والنيابة، حتى لا يساء استخدامها. ومن ثم فالضبطية القضائية محددة لأعضاء بالمجمع، ولا علاقة لها بالمصنفات ولا الكتب، ومهمتها ضبط المصاحف والأحاديث التي بها أخطاء، وهناك جهة تحتكم إليها عند مراجعة المصحف الشريف ضبطاًونظماً.ويشير المستشار البشري إلى أن الأزهر ليس له سلطة المراقبة على المصنفات السمعية والبصرية، ولكن إذا كانت هذه الوسيلة تتضمن موادَّ إسلامية؛ فمعنى ذلك أننا في حاجة إلى فتوى من الأزهر تخص شأنا إسلاميا، وفي هذه الحالة يُستشار في هذا الشأن، ومن ثم فعلاقته هنا ليست مباشرة؛ فالرقابة في الأصل هي لوزارة الثقافة التي تستشير الأزهر عند أي أمر يخص الشأن الإسلامي.

      ولكن في نفس الوقت ، أبدى بعض علماء الأزهر تخوفهم من تضرر سمعة الأزهر من منح مفتشيه هذه السلطة والتفتيش على الأسواق عن الكتب والتسجيلات التي تخالف مبادىء الإسلام ومصادرتها ، وحذروا من أن هذا القرار يعود بالأزهر إلى الوراء ويدفعه لممارسة دور يشبه محاكم التفتيش في القرون الوسطى . وأكد العلماء أنه لا يجوز أن يمنح علماء الأزهر سلطة الضبط والتفتيش لمصادرة الكتب والأعمال الفنية المخالفة ، لأن ذلك من سلطة الإدارة العامة لمكافحة جرائم النشر والمصنفات الفنية بوزارة الداخلية ، وأن سلطته فقط هي إبداء الرأي ، مؤكدين أن الطريقة الوحيدة لمواجهة الفكر هي الفكر .

      ولكن يبقى السؤال : هل يجوز لأي وزير أن يمنح صفة الضبطية القانونية لأية جماعة دون مراعاة للآثار المترتبة على هذا القرار؟ وإذا كان بالفعل ما أفتى به المستشار البشري صحيحاً.. فلماذا لم يمارسه الأزهر منذ صدور هذه الفتوى؟! هل حدثت مستجدات ألزمت السلطة التنفيذية اقتراح هذه الآلية. الواقع يشهد أنه حتى لو كانت هناك مستجدات فليست مطردة أو منظمة أو تشكل ظاهرة اعتيادية توجب هذا التدخل، كما أن التاريخ الإسلامي لم يشهد هذا الأمر، وإذا قام به أحد فربما يكون الخليفة ذاته أو المحتسب، وليس معهداً علمياً تخصصه البحث والدراسة، وهذا ما يفزعنا بأن يتحول رجال العلم إلى رجال أمن؛ لأن هذا لن يؤذي الإبداع فقط بل سيؤذي العلم أيضا؛ فالخلط في السلطات سيحول تلك المؤسسات العريقة إلى محاكم تفتيش، وهو ما يعني أن الأزهر كمدرسة ومؤسسة، سيكون هو الضحية الكبرى لهذا الإجراء.

      وجهة النظر الثانية :
      ويمثل وجهة النظر هذه المفكرين والأدباء وناشطي حقوق الإنسان ، ومنذ البدايات الأولى للإعلان عن القرار أعربوا عن رفضهم له باعتباره قيد إضافي على حرية الفكر الإبداع وردة على فلسفة الدولة المدنية، وسيعطي دور للأزهر أوسع مما يقرره القانون الذي يقصر دوره علي البحث في القرآن والسنة والشريعة وما يتعلق بها، ويبقي رأيه استشارياً في مسألة المصنفات الفنية ومصادرتها ، مؤكدين أنه برغم تحديد قرار وزير العدل مهمة الأزهر في تنظيم طبع المصاحف والأحاديث النبوية، ولكنه ما هو الضمان أن لا يكون القرار وسيلة لانتهاك حرية الرأي والتعبير والفكر والاعتقاد التي فوق القانون نفسه وفوق النصوص الدستورية ، بمعنى آخر كيف نضمن عدم تدخل الدولة سواء كانت سلطة دينية أو غير دينية لضرب حرية الفكر والمعتقد ؟ .

      ويؤكد أصحاب هذا الرأي أنه برغم كون قرار وزير العدل خاص بالمصاحف والأحاديث النبوية، إلا أنه بمراجعة نصوص المواد ( 21 ،22 ، 23) من قانون الإجراءات الجنائية التي تحدد ماهية صلاحيات مأمور الضبط القضائي ، يتضح أن الاختصاص أوسع مما هو مذكور بالقرار ، فالفقرة قبل الأخيرة من المادة (23) تنص على أنه " ويجوز بقرار من وزير العدل بالاتفاق مع الوزير المختص تخويل بعض الموظفين صفة مأموري الضبط القضائي بالنسبة إلى الجرائم التي تقع في دوائر اختصاصهم وتكون متعلقة بأعمال وظائفهم" ، وبالتالي هذا النص هو أوسع ويحدد الاختصاص لمأموري الضبط القضائي وليس قرار وزير العدل، لأنه هذا معناه أن رجال الضبطية القضائية المكلفين من الأزهر الشريف من حقهم دخول أي مكتبة وضبط أي كتاب يتعلق بالشأن الديني وفقاً للاختصاص العام للأزهر ، واصفين القرار بأنه مسمار إضافي في نعش الدولة المدنية بالبلاد ، ومكمل للخطوات التي حدثت بالفعل على مدار السنوات الماضية ،والسكوت عنه سيمهد الطريق لنشأة الدولة الدينية ، ومن شأنه تشكيل قيداً إضافياً على حرية الرأي والتعبير والفكر والاعتقاد حتى في المجال الديني .

      في حين رأت بعض الآراء أن القرار أبعد من منح الضبطية القضائية للأزهر ، فالمسألة تتعلق بالتحالف بين النظم الاستبدادية والتيارات الأصولية الإسلامية لضمان استمرارها ، ففي لحظات اهتزاز السلطة وضعفها تحت حكم النظم الاستبدادية التي لا تأخذ شرعيتها من صناديق الانتخابات ، يحدث هذا التحالف والذي يرجع إلى حاجة كل طرف لآخر لحمايته ، ومثالاً على ذلك تحالف النميري مع الأخوان المسامين ، والذي أدى في النهاية للإطاحة بالنميري .

      وأكد أصحاب هذا الرأي أنه لا خلاف من الناحية النظرية مع مضمون قرار وزير العدل بشأن تمتع مجمع البحوث الإسلامية بسلطة مراقبة المصحف الشريف ، ولكن عند التطبيق يتعدى القرار مسألة المصحف وحماية الدين ، فالأزهر لا يحافظ على الدين الإسلامي بل على تفسيرات فقهية، فالمشكلة الكبرى التي تواجه المجتمع الثقافي أنه عليه مواجهة أمرين في نفس الوقت أولهما، الأصولية الدينية داخل المؤسسة الدينية الرسمية وهي الأزهر، والتي أخطر بكثير من جماعات الإسلام السياسي أو حتى الجماعات الإرهابية ، بحكم أن تلك المؤسسة قريبة من السلطة ، وثانيهما تحالف السلطة المستبدة التي تشعر بالضعف مع هذا التيار الديني ، وبالتالي تثمر المحصلة النهائية عن سنوات قريبة من سنوات حكم النميري.

      ويؤكد أصحاب هذا الرأي أن من يطلع على نص القرار والغرض منه،يتصور أن مصر تعاني من مصيبة كبيرة ، بمعنى آخر أن هناك سيل مهول من المصاحف المزورة والأحاديث ، والدولة غير قادرة على مواجهته ، في حين أن مصر لا تعاني من ذلك ، بل العكس نوجد الآلاف من الكتب المليئة بالخرافات والخزعبلات التي تسئ للدين الإسلامي والمغذية للإرهاب والتطرف والذي دفعت له مصر ثمناً فادحاً خلال العشر سنوات الأخيرة منتشرة على أرصفة الشوارع ، بل وعلى الأرصفة المجاورة لمبنى مشيخة الأزهر ، بل ولا يقوم الأزهر بالتصدي لها ،ولكن يقوم بمواجهة الأعمال الفكرية الإبداعية ، مطالبين المعنيين في الأزهر بتقديم إحصائيات للرأي العام عما تم ضبطه من مصاحف مزورة خلال السنوات الماضية وعلى الأخص بعد صدور قانون عام 1985 ، بحيث تشكل لجنة تتولى الضبطية القضائية .

      وفي هذا الإطار ، تؤكد المنظمة المصرية لحقوق الإنسان أنه إذا كان الدور الرقابي للمجمع ينصب على ضبط المصحف الشريف والأحاديث والحفاظ عليهما فلا اعترض على ذلك ، لكن السنوات الأخيرة تكشف عن عشرات التقارير التي حررها أعضاء مجمع البحوث ضد روايات كثيرة ودواوين شعرية وأبحاث علمية وكتب في الفكر الديني وتجديد الخطاب الديني والأجتهاد ، الأمر الذي يخرج المجمع عن دوره في ضبط المصحف والحديث ، ويتحول إلى محكمة تفتيش تحاصر حرية الفكر والإبداع ، فليس من حق أي فرد درس علوم الدين أن يتدخل في إبداعات الفكر أو العقل أو العلوم لأنها مسألة تقف ضد حركة الفكر والمجتمع ، فلم يحدث مطلقاً في التاريخ أن تراقب جهة دينية إسلامي الفكر ، وعملية إعطاء هذا الحق إلى جهة دينية هي عملية غير شرعية أي بدون سند ديني أو شرعي .

      وفي بداية شهر يونيه من العام الحالي 2004 ، قرر مجمع البحوث الإسلامية التوصية بمصادرة خمسة كتب دفعة واحدة، هي رواية "سقوط الإمام" للكاتبة نوال السعداوي، وكتاب "الماسونية ديانة أم بدعة" لاسكندر شاهين والذي اعتبرته لجنة الفحص أنه "يروّج للماسونية التي تحارب الأديان وفي مقدمها الإسلام" ، وكتاب "نداء الضمير"، والذي اتهم تقرير اللجنة مؤلّفه علي يوسف علي بأنه "يهاجم من خلال كتابه السنّة النبوية ويشكك في كتبها الصحيحة ومصادرها وفي مقدمها صحيحا البخاري ومسلم، بل أنه يدعو إلى هدم السنّة النبوية ذاتها"، والكتاب الأخير في قائمة المنع هو "مدينة معاجز الأئمة الأثني عشر ودلائل الحج على البشر"، لمؤلفه سيد هاشم البحراني لكونه "أورد معجزات الأنبياء ونسبها للأئمة الأثني عشر".

      وفي القرار نفسه، أوصى المجمع بمصادرة كتاب "الإمام المهدي واليوم الموعود" لمؤلّفه الشيخ خليل رزق. وفي هذا السياق كتب عضو لجنة الفتوى السابق في الأزهر الشيخ عبد العظيم الحميلي تقريراً أوصى بمنع الكتاب كون "مادة الكتاب تبين بوضوح مذهب الشيعة في شأن الإمام المهدي وهو موضوع اختلفت حوله آراء العلماء ولم يظفر باتفاقهم عليه". أي أن المجمع الأزهري قرر أيضا منع تداول الكتب التي تخص الإمام المنتظر في المذهب الشيعي، لا لشيء إلا لأن آراء العلماء اختلفت حول هذا الموضوع ولم تتفق عليه. فكأن ليس في اختلافهم رحمة للناس وحافز للتفكير والتأمل والاجتهاد.

      ومنعت مجلة "الحياة الطيبة"لا لشيء إلا لعرضها أفكار نصر حامد أبو زيد. فبحسب جريدة الحياة في عددها الصادر بتاريخ 5/8/2004 كلّف مجمع البحوث الإسلامية د.أحمد حسن غنيم الأستاذ في كلية أصول الدين في جامعة الأزهر - فرع أسيوط بفحص مجلة "الحياة الطبية" الصادرة في بيروت، فأعد تقريراً اعتبر فيه أن على المجلة مآخذ كثيرة منها "عرضها أفكار نصر حامد أبو زيد الهدامة، ولم تناقشها وتبيّن زيفها وبطلانها، مما يجعلنا في شك من أمرها، كما جاء فيها ربط بين خواطر الشيخ سيد قطب، وبين مذاهب الهرمينوطيقا الغربية وغير ذلك من أخطاء علمية". ورأى التقرير أن المجلة "تروّج كثيراً من الأفكار التي تتعارض مع المنهج الإسلامي الصحي. ولا بد من منع العدد الثالث عشر من التداول والطبع والنشر حفاظاً على العقيدة الإسلامية الصحيحة".

      وإذا كان من الممكن فهم مدى تحسس أعضاء مجمع البحوث الإسلامية، وفي مقدمتهم محمد عمارة، من كل مطبوعة تحاول أن تعيد الاعتبار إلى عدوهم اللدود الدكتور نصر حامد أبو زيد وأفكاره التنويرية، فإن لمن المضحك المبكي أن يدخل السيد قطب وخواطره في دائرة القداسة، ويمنع على الدوريات الربط بين هذه الخواطر ومنهج الهرمينوطيقا، لأن في ذلك "خطأ علميا" وتهديدا لـ "العقيدة الإسلامية الصحيحة". في حين ان مصطلح الهرمونيطيقيا في الفلسفة الغربية الحديثة وخصوصا لدى الفيلسوف الألماني غادامر، يكاد يكافىء مصطلح التأويل في الفلسفة الإسلامية.

      والمتتبع لتاريخ الفكر الإسلامي يدرك مركزية التأويل عند الطبري والجرجاني والسيوطي، الذين استعملوه ليس فقط في التعامل مع نصوص لا تقل منزلة عن خواطر سيد قطب، لكنهم أيضا استخدموا التأويل في تعاملهم مع النص القرآني نفسه! أفلا يجوز مع خواطر سيد قطب في عصرنا الراهن، ما جاز مع النص القرآني على مدى تاريخنا الفكري الطويلّ؟ .

      استكمال



    حقوق الطبع محفوظة © المنظمة المصرية لحقوق الإنسان
    8/10 شارع متحف المنيل - منيل الروضة - القاهرة - مصر
    هاتف : 3636811 - 3620467(202 ) ... فاكس : 3621613( 202)