











انت الزائر رقم
 منذ 1/6/2002
|
الأولي »» تقارير ودراسات
|
الاحزاب السياسية المصرية بين التقييد والمصادرة
تقرير المنظمة المصرية حول معوقات الحياة الحزبية في مصر
|
25-1-2007
مقدمة :
كان يوم السبت 6/1/2007 الموعد المحدد أمام محكمة الأحزاب لجلسة النطق بالحكم في الطعون المقدمة من 12 حزباً وهي : الوسط الجديد - الكرامة العربية - الأمل الديمقراطي - القومي المصري -القومي الحر - التحالف الوطني القومي -نهضة مصر الكنانة -السلام الدولي -نهضة مصر -الحرية الديمقراطي، للطعن على قرار لجنة شئون الأحزاب برفض الأثنى عشر حزبًا بدعوى أن برامجها لا تختلف عن برامج أحزاب قائمة، وآملت الأحزاب في الحصول على حكم قضائي بإلغاء قرار لجنة شئون الأحزاب خاصة بعد الدعوة التي أطلقها الرئيس مبارك بتفعيل دور الأحزاب خلال طلبه بتعديل 34 مادة من الدستور،وهي التعديلات التي يناقشها البرلمان في الوقت الراهن، غير أن الجميع فوجيء بصدور قرار المحكمة برفض الطعون الاثنى عشر مؤسسة حكمها على أن إحدى الطعون قدمت بعد الموعد القانوني وذلك فيما يخص حزب الكرامة العربية، بينما وصفت المحكمة بقية الأحزاب التي طلب المدعون الحكم بتأسيسها، بأنها غير مستوفاة للشروط التي يتطلبها قانون الأحزاب السياسية، بعد التعديلات التي أدخلت عليه خلال عام 2005 ، ويعتبر قرار المحكمة بشأن هذه الأحزاب الأثنى عشر بمثابة انتكاسة جديدة في شأن الحق بتكوين وتأسيس الأحزاب السياسية.
وجاءت حيثيات الحكم على النحو التالي " استنادا أنه إبان نظر تلك الطعون أمام المحكمة ـ وقبل الفصل فيها ـ صدر القانون رقم 177 لسنة 2005 بتعديل أحكام القانون رقم 40 لسنة 1977 بنظام الأحزاب السياسية ، والذي عمل به اعتبارا من 8/7/2005 ـ ومنها تلك المتعلقة بشروط وإجراءات تأسيس الحزب ، حيث تطلب أن يكون الإخطار بتأسيس الحزب موقعا عليه من ألف عضوًا من المؤسسين على الأقل ومن عشر محافظات على الأقل بما لا يقل عن خمسين عضوا من كل محافظة ، وذلك بعد أن كان النص القانوني قبل التعديل يكتفي بأن يكون الإخطار بتأسيس الحزب موقعا من خمسين عضوا من أعضائه المؤسسين، وأن الأحزاب السياسية تحت التأسيس الطاعنة لم تستوف تلك الشروط المستحدثة ، بحسبان أن هذا القانون الجديد يسري بأثر مباشر وحال على الوقائع والمراكز القانونية التي مازالت في طور التكوين ولم تكتمل بعد حيث لا يكون صاحب الشأن قد اكتسب حقا ذاتيا من القاعدة القديمة قبل التعديل يسوغ له التحدث به ، لكون إخطار لجنة الأحزاب السياسية بتأسيس الحزب لا يعدو أن يكون واقعة تفتتح بها الإجراءات أمام اللجنة لتنتهي بصدور قرار صريح بالموافقة أو الاعتراض على إنشاء الحزب،وبالتالي لا يترتب على هذا الإخطار في حد ذاته أي أثر قانوني ولا يكسب صاحبه مركزا قانونيا مستقرا يمنع التشريعات اللاحقة من المساس بها".
وأشارت المحكمة إلى أنه "لا وجه للتحدي بالقواعد التي كانت سارية وقت صدور القرارات المطعون فيها ، لأن مناط ذلك أن تكون تلك القرارات قد استحدثت مركزاً قانونياً يمكن لصاحب الشأن أن يستمد منه حقا ذاتيا فيما لو أقرته المحكمة عليه ، أما إذا كان القرار لم يستحدث أصلا أي مركز قانوني ـ كما هو الشأن في الطعون الماثلة ـ فإن نشوء هذا المركز بعد ذلك إنما يكون رهنا بالظروف والأوضاع القانونية السائدة وقتئذ والقول بغير ذلك مؤاده قيام الحزب على خلاف إرادة المشرع وما استهدفه التعديل من فلسفة إصلاح وتلافي عيوب النظام القائم وانعكاسات ذلك على النظام السياسي للبلاد".وأضافت المحكمة"أن الطعن على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية بالاعتراض على تأسيس الحزب يطرح المنازعة برمتها أمام المحكمة إذ لا تنحصر المنازعة في مدى مشروعية قرار اللجنة إنما تتعلق في حقيقتها بما إذا كان قد توافر في الحزب شروط التأسيس المتطلبة قانونا من عدمه ، الأمر الذي يتوجب معه بحث كل ما يتعلق بالمنازعة وليس فقط العوار الذي يوجه إلى قرار لجنة شئون الأحزاب. ويؤكد ذلك أن الحزب يكتسب الشخصية الاعتبارية ـ في حالة طرح المنازعة أمام المحكمة ـ من تاريخ صدور الحكم طبقا للمادة (9) من قانون الأحزاب السياسية ، وذلك خروجاً على القاعدة المقررة في دعوى الإلغاء من أن أثر الحكم بالإلغاء يرتد إلى تاريخ صدور القرار المقضي بإلغائه ، وهذا الخروج إنما أراد أن يؤكد به المشرع طبيعة الحكم الصادر في منازعات الأحزاب باعتباره منشئا للمركز القانوني للحزب ، ومن ثم يتعين على المحكمة وهي بصدد نظر المنازعات مراعاة القواعد والمعطيات القانونية السارية وقت صدور الحكم".
وخلصت المحكمة إلى رفض الطعون المقامة مشيرة إلى أن"هذا القضاء لا يخل بحق صاحب الشأن في التقدم مجددا إلى لجنة شئون الأحزاب السياسية بعد استيفاء الشروط والضوابط التي استحدثها المشرع بموجب التعديلات المشار إليها لقانون الأحزاب السياسية".
أما بالنسبة لحزب الكرامة العربية فقد قررت المحكمة عدم قبول الطعن المقدم من حزب الكرامة شكلا لرفعه بعد الميعاد القانوني ، وجاءت حيثيات الحكم على النحو التالي "أن قضاء هذه المحكمة قد جرى على أنه يقوم مقام النشر المنصوص عليه في المادة 8 من القانون 40 لسنة 1977 في مجال سريان الميعاد المقرر للطعن إعلان طالبي التأسيس بذلك القرار أو علمهم به علما يقينا شاملا في تاريخ سابق على نشرة في الجريدة الرسمية،ومن حيث أنه متى كان ذلك وإذا كان الثابت من الأوراق أن لجنة شئون الأحزاب السياسية أصدرت قرارها المطعون فيه بتاريخ 25/9/2004 بالاعتراض على الطلب المقدم من الطاعن بصفته التأسيس حزب سياسي باسم حزب الكرامة العربية وأقر الطاعن بصفته في تقرير الطعن بأنه أعلن بهذا القرار بتاريخ 8/10/2004 فمن ثم يكون الطاعن الماثل وقد أودع تقريره قلم كتاب المحكمة بتاريخ 9/11/2004 مرفوعا بعد الميعاد المقرر قانونا ".
ويفتح هذا الحكم أحد الملفات الهامة آلا وهو واقع الحياة الحزبية في مصر ، والقيود التي يواجها الأفراد في حالة رغبتهم في تأسيس حزب جديد ، وكيفية تفعيل وتنشيط الأحزاب السياسية .
ويأتي تقرير المنظمة المصرية لحقوق الإنسان بعنوان "الأحزاب السياسية المصرية بين التقييد والمصادرة " متضمنًا المحاور التالية :
المحور الأول : خلفية عن الأحزاب الأثنى عشر ونضالها من أجل التأسيس .
المحور الثاني : الحياة الحزبية في مصر ...القيود والمعوقات .
المحور الثالث : قراءة للأحكام الخاصة بالأثنى عشر حزبًا .
المحور الرابع : الخاتمة والتوصيات.
المحور الأول : الأحزاب الأثنى عشر والنضال من أجل التأسيس
منذ عام 2004 وحتى عام 2007 والأحزاب الأثنى عشر(الوسط الجديد - الكرامة العربية - الأمل الديمقراطي - القومي المصري -القومي الحر - التحالف الوطني القومي -نهضة مصر الكنانة -السلام الدولي -نهضة مصر -الحرية الديمقراطي)تناضل من أجل الحصول على الموافقة بالتأسيس ، وخلال السنتين مرت هذه الأحزاب بمراحل عدة من قبيل الاعتراض على التأسيس من قبل لجنة شئون الأحزاب ، ورفع طعون بالاعتراض على اللجنة من قبل هذه الأحزاب ، وتداول الطعون بالجلسات ، وحجز الطعون للحكم ثم إعادتها للمرافعة مرة أخرى، ليأتي الحكم في النهاية برفض التأسيس، ويمكن بيان هذه الرحلة النضالية على النحو التالي :
1) حزب الوسط الجديد
تقدم مؤسسي الحزب بالطعن على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب الصادر بتاريخ 25/9/2004 و ذلك بموجب الطعن رقم 1180لسنة 50 قضائية عليا و المرفوع من أبو العلا ماضي أبو العلا بصفته وكيل مؤسسي الحزب وتداولت الدعوى بالجلسات ، و في يونيو 2005 صدر تقرير مفوضي الدولة والذي قضي بقبول الطعن شكلا و في الموضوع بإلغاء قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية المطعون فيه مع ما يترتب على ذلك من أثار اخصها تمتع حزب الوسط الجديد بالشخصية الاعتبارية اعتبارا من تاريخ حكم المحكمة الإدارية العليا بإلغاء هذا القرار .
وتداولت الدعوى بالجلسات و قررت حجز الدعوى للحكم بجلسة 30/12/2005 وحجزها للحكم بجلسة 4/2/2006 وأعيدت للمرافعة لجلسة 3/6/2006 بناء على طلب الجهة الإدارية وتداولت بالجلسات خلال عام 2006 حتى تقرر بجلسة 4/11/2006 حجزها للحكم لجلسة 6/1/2007 .
2) حزب الأمل التنموي الديمقراطي
في غضون عام 2005تقدم حسن حافظ عبد الرحمن برفع الطعن رقم 2157لسنة 51 قضائية للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب و تداولت الدعوى بالجلسات،وقررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/2007 .
3) حزب الإصلاح الديمقراطي
في غضون عام 2005تقدم عامر عيد عامر عيد برفع الطعن رقم 23209 لسنة 51 قضائية للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب وتداولت الدعوى بالجلسات وقررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/ 2007.
4) الحزب القومي المصري
في غضون عام 2004 اعترضت لجنة شئون الأحزاب السياسية علىتأسيس الحزب،الأمر الذي معه تقدم صلاح محمد عبد الله حسين وكيل مؤسسي الحزب برفع الطعن رقم 15309/16665لسنة 50 قضائية أمام محكمة الأحزاب بمجلس الدولة للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب و تداول الطعن بالجلسات خلال عام 2005 و تأجل لجلسة 1/4/2006 للنطق بالحكم و تداول الطعن مرة أخرى في غضون عام 2006 حيث تم إعادته للمرافعة بناء على طلب الجهة الإدارية . وتداولت الدعوى بالجلسات وقررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/ 2007 .
5) حزب القومي الحر
تقدم صلاح محمد عبد الله برفع الطعن رقم 24365 لسنة 51 قضائية للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب و تداولت الدعوى بالجلسات وقررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/ 2007 .
6) حزب التحالف الوطني
في غضون عام 2004 رفضت لجنة شئون الأحزاب طلب تأسيس الحزب ، و في غضون عام 2005 تقدم سليم قاسم هاشم وكيل مؤسسي الحزب برفع الطعن رقم 14162 لسنة 50 قضائية للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب و مازالت الدعوى متداولة بالجلسات و المؤجلة لجلسة 1/4/2006 للمرافعة ، و تداولت الدعوى بالجلسات وقررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/ 2007.
7) الحزب القومي
في غضون عام 2004 تقدم صلاح محمد عبد الله حسن برفع الطعن 13080 لسنة 50 قضائية للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب،وتداولت الدعوى بالجلسات وقررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/ 2007 .
8) حزب نهضة مصر
في غضون عام 2005 تقدم عبد الرحمن إبراهيم عساكر برفع الطعن رقم 5616 لسنة 51 قضائية، للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب و تداولت الدعوى بالجلسات و قررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/2007 .
9)حزب نهضة مصر الكنانة
في غضون عام 2005 تقدم عبد الرحمن إبراهيم عساكر برفع الطعن رقم 24031 لسنة 51 قضائية للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب، وتداولت الدعوى بالجلسات و قررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/2007.
10) حزب السلام الدولي
في غضون عام 2005 تقدم عاطف احمد عبد الله بودي برفع الطعن رقم 20832 لسنة 51 قضائية للاعتراض علىقرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب و تداولت الدعوى بالجلسات و قررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/2007 .
11) حزب الحرية الديمقراطي
في غضون شهر إبريل 2005 اعترضت لجنة شئون الأحزاب السياسية علىالطلب المقدم من طارق إمام محمد و كيل مؤسسي الحزب بتأسيس حزب الحرية الديمقراطي الاشتراكي الأمر الذي تقدم معه طارق أمام محمد مصطفي برفع الطعن رقم 12906 لسنة 51 قضائية للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب السياسية برفض تأسيس الحزب و تداولت الدعوى بالجلسات في غضون عام 2006 وقررت محكمة الأحزاب حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/2007 .
12) حزب الكرامة العربية
بتاريخ 25/9/ 2004 اعترضت لجنة شئون الأحزاب السياسية على تأسيس الحزب الأمر الذي تقدم معه حمدين عبد العاطي صباحي وكيل مؤسسي حزب الكرامة برفع الطعن رقم 1287 لسنة 51 قضائية عليا أمام محكمة الأحزاب وذلك للاعتراض على قرار لجنة شئون الأحزاب برفض الطلب المقدم من مؤسسي الحزب لتأسيسه ، وتداولت الدعوى بالجلسات و بجلسة 2/7/2005 تأجل الطعن لجلسة 1/4/2006 لورود التقرير و مازال الطعن متدوال بالجلسات حتى قررت المحكمة حجز الدعوى للحكم لجلسة 6/1/2007 .
المحور الثاني : الحياة الحزبية في مصر ...القيود والمعوقات
يبلغ عدد الأحزاب السياسية في مصر 23 حزبًا ، منها 11 حزبًا أقيمت بحكم من المحكمة، و3 أحزاب أقيمت عام 1977 إبان تاريخ العمل بقانون الأحزاب، و9 أحزاب أقيمت بموافقة من لجنة شئون الأحزاب. ويبلغ عدد الأحزاب التي رفضت اللجنة تأسيسها منذ بداية نشأتها وحتى عام 2006 حوالي 75 حزبًا، ، فما زالت الأخيرة تصر على رفضها الدائم لجميع الطلبات المقدمة من أجل تشكيل أحزاب سياسية جديدة.
وفي الحقيقة فأن لجنة الأحزاب كانت ولازالت لجنة لرفض وتجميد الأحزاب أكثر من كونها لجنة لإنشائها ، ويمكن وصفها بأنها مسئولة مسئولية كاملة عن تجميد الأحزاب وشل حركتها .
ويعوق الحياة الحزبية في مصر العديد من الإشكاليات والقيود، ولعل أبرزها:
أولاً : البيئة التشريعية المعيقة للعمل الحزبي مثل القانون رقم40 لسنة 1977 بشأن الأحزاب السياسية.
وتعود جذور قانون الأحزاب السياسية إلى فترة الرئيس الأسبق أنور السادات الذي سعى إلى وضع قانون للأحزاب ، وخاصة أن سلفه الرئيس جمال عبد الناصر كان قد أسس الاتحاد الاشتراكي العربي بوصفه الحزب السياسي الوحيد في البلاد،وفي عام 1974 سعى السادات إلى تفكيك الحزب الواحد الذي أقامه عبد الناصر فقسمه إلى ثلاثة أجنحة أو منابر وبعد عامين حول هذه المنابر إلى أحزاب فأنشأ الحزب الوطني الديمقراطي،وحزب التجمع ( الوطني التقدمي الوحدوي ) وحزب الأحرار ( الليبرالي ) ،وفي يونيو 1977 وقع السادات على أول قانون مصري لتنظيم الأحزاب السياسية بعد الاستقلال ( القانون رقم 40 لسنة 1977 ) .
وأن كان هذا القانون قد أكد في مادته الأولى على " حق تكوين الأحزاب السياسية وحق المصريين في الانتماء لأي حزب سياسي وذلك طبقا لأحكام القانون"، إلا أن المشرع في ذات الوقت قد نحي منحى مختلفاً تماما عن هذا النص ،فلم يكتف بتنظيم حق الأفراد في حرية تكوين الأحزاب السياسية،بل صادر هذا الحق وعصف به وأهدره إلى الحد الذي أصبح تكوين حزب سياسي في ظل الشروط المنصوص عليها في هذا القانون، وفي ظل اللجنة الإدارية المسماة بلجنة شئون الأحزاب هي ضرباً من ضروب المستحيل .
ثانيًا : لجنة شئون الأحزاب
تشكلت اللجنة بموجب القانون رقم 40 لسنة 1977 ، وهي التي توافق على قيام أو إنشاء حزب أو تعترض على تأسيسه، كما ينتمي غالبية أعضائها إلى الحزب الوطني الحاكم؛ وهو ما يجعل الحزب بمثابة الخصم والحكم في آن واحد، إذ تتشكل وفقا للمادة الثامنة والمعدلة بالقانون رقم 177 لسنة 2005 من :
- رئيس مجلس الشورى ( رئيس اللجنة ).
- وزير الداخلية.
- وزير الدولة لشئون مجلس الشعب .
- ثلاثة من بين الرؤساء السابقين للهيئات القضائية ونوابهم من غير المنتمين إلى أي حزب سياسي وثلاثة من الشخصيات العامة غير المنتمين إلى أي حزب سياسي.
وتمتلك هذة اللجنة سلطة فحص ودراسة اخطارات تأسيس الأحزاب السياسية ومدى مطابقتها لأحكام القانون، وطلب أية مستندات أو أوراق أو إيضاحات ترى لزومها من ذوى الشأن أو من أية جهة رسمية أو تكليف أية جهة رسمية بإجراء تحقيق أو بحث أو دراسة للتوصل إلى الحقيقة فيما هو معروض عليها ، كما تقوم اللجنة بإخطار رئيسي مجلسي الشعب والشورى والمدعي العام الاشتراكي بأسماء المؤسسين ليتولى المجلسين إعلان تلك الأسماء في مكان ظاهر،كما يتولى المدعي العام الاشتراكي نشر الأسماء في ثلاث جرائد قومية ليتقدم كل من يرى الاعتراض على أي من الأسماء إلى رئيس اللجنة بالمستندات اللازمة .
كما يمكن لرئيس اللجنة أن يطلب من المحكمة الإدارية العليا حل الحزب إذا رأت لجنة شئون الأحزاب السياسية بأن أحد الأحزاب القائمة المعترف بها خرق واحداً من مبادئ المشاركة في الحياة السياسية، وتصفية أمواله وتحديد الجهة التي تؤول إليها الأموال .
ويضع القانون رقم 40 لسنة 1977 قيودا تعسفية ومعيقة لحركة وحق تكوين الأحزاب، ولعل أهمها:
1-يشترط لتأسيس حزب سياسي عدم تعارض مبادئه أو أهدافه أو برامجه أو سياساته مع مبادئ الشريعة، ومبادئ ثورتي يوليو 1952 ومايو 1971، والحفاظ على الوحدة الوطنية والسلام الاجتماعي والنظام الاشتراكي الديمقراطي والمكاسب الاشتراكية (المادة 4 من القانون).
2- تميز برنامج الحزب عن برامج الأحزاب القائمة وقت الإخطار عن تأسيسه في السياسات التي يعتمد عليها في تحقيق أهدافه في المجالات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
3- عدم قيام نشاط الحزب على أساس يتعارض مع أحكام القانون 33 لسنة 1971 وعدم احتواء الحزب على تشكيلات عسكرية أو شبه عسكرية وعدم قيام الحزب كفرع لحزب أو تنظيم سياسي في الخارج، وعدم انتماء أي من مؤسسي أو قيادات الحزب وارتباطه أو تعاونه مع أحزاب أو تنظيمات أو جماعات معادية أو مناهضة للمبادئ المنصوص عليها.
4- اشتراط تقديم إخطار كتابي إلى رئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية عن تأسيس الحزب موقع عليه من 50 عضوا من أعضائه المؤسسين ومصدق رسمي بتوقيعاتهم، على أن يكون نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين، وهذا القيد يتعارض مع حرية تكوين الأحزاب فضلا عن تحديد نسبة خاصة لفئات معينة يخل بمبدأ المساواة الذي ينص عليه الدستور.
وجاء تعديل القانون رقم 40 لسنة 1977 بالقانون رقم 177 لسنة 2005، هو الآخر مقيداً للحق في تكوين الأحزاب بتضمينه ذات الشروط، بل واشترط لتأسيس حزب سياسي أن يتم تقديم إخطار كتابي إلى رئيس لجنة شئون الأحزاب السياسية عن تأسيس الحزب موقعا عليه من ألف عضو على الأقل من أعضائه المؤسسين مصدقا رسميا على توقيعاتهم ، على أن يكونوا من عشر محافظات على الأقل وبما لا يقل عن خمسين عضوا من كل محافظة ، و ترفق بهذا الإخطار جميع المستندات المتعلقة بالحزب ، و بصفة خاصة نظامه الأساسي و لائحته الداخلية و أسماء أعضائه المؤسسين و بيان الأموال التي تم تدبيرها لتأسيس الحزب و مصادرها ، و اسم من ينوب عن الأعضاء في إجراءات تأسيس الحزب ، بعد أن كان يشترط في تأسيس الحزب وفقا للقانون القديم أن يتم الإخطار موقعا عليه من خمسين عضوا نصفهم على الأقل من العمال والفلاحين .كما أعطى القانون رقم 177 للجنة شئون الأحزاب نفس الصلاحيات المشار إليها في القانون رقم 40 .
ثالثًا : الانفصال بين الحياة الحزبية وجوهر اهتمامات المواطن العادي لانشغاله بتفاقم المشاكل الاقتصادية والاجتماعية، بالإضافة إلى دور الانتماءات التقليدية (العصبية القبلية) في التأثير على اتجاه التصويت في الانتخابات، وعزوف المواطن المصري عن المشاركة السياسية وعدم حياد الأجهزة الإدارية، وصورة البيئة التي تمارس فيها الأحزاب السياسية في مصر أدوارها، وكل ذلك يفسر لنا مأزق وأزمة التعددية الحزبية.
وقد أثمرت القيود سالفة الذكر عن عدة ظواهر منها:
أ- عدم التوازن بين الحزب الوطني الحاكم باعتباره حزبا كبيرا وأحزاب أخرى بالغة الصغر والمحدودية.فالملاحظ للتجربة الحزبية المصرية يجد أن الاتحاد الاشتراكي العربي الذي أنشئ عام 1962 لم يزل هو الحزب الحاكم في مصر، وأن الأحزاب ما هي إلا أحزاب ديكورية وشكلية، بل هي أقرب إلى كيانات سياسية تمارس مهامها خارج دائرة السلطة لاتملك من الإمكانيات الواقعية أو المحتملة ما يؤهلها للوصول إلى السلطة أو المنافسة عليها، بل إنها أيضا لا تملك من الوسائل ما يمكنها من الرقابة على الحكومة أو محاسبتها، فهي ليست سوى جماعات سياسية قد تمارس الضغط، أو أنها جزء من منظمات المجتمع المدني أكثر من كونها جزءًا من النظام السياسي بالمعنى المتعارف عليه في السياسة المقارنة.
ب- التشابه في البرنامج الحزبي للأحزاب المصرية؛ وهو ما يجعلها لا تصلح كبدائل من وجهة نظر الناخبين، فجميعها تتفق على مجموعة واحدة من القواسم المشتركة، والاختلاف يكون في تفاصيل جزئية أو سياسيات فرعية لا تسمح أن يوجد مبرر للتعددية الحزبية.
ج- غياب الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب، وتركيز عملية صنع القرارات في دائرة ضيقة تشمل رئيس الحزب وعدداً محدوداً من نخبته، ومما لا شك فيه أن علاقة أكيدة ومباشرة بين تعثر ديمقراطية النظام وهبوط مستوى الممارسة الديمقراطية داخل الأحزاب.
المحور الثالث : قراءة للأحكام التي أصدرتها لجنة شئون الأحزاب
أولاً : أن الحكم قد خالف قاعدة قانونية ثابتة بنص الدستور المصري المادة 187 وهي خاصة بالأثر المباشر للقانون أو بمعنى أخر عدم رجعية القاعدة القانونية حيث تنص المادة 187 على "لا تسري أحكام القوانين إلا على ما يقع من تاريخ العمل بها " ولا يترتب عليها أثر فيما وقع قبلها ، ومع ذلك يجوز في غير المواد الجنائية النص في القانون على خلاف ذلك بموافقة أغلبية أعضاء مجلس الشعب.
وبمراجعة نص تعديلات قانون الأحزاب السياسية لم تجد نص برجعية القانون وبالتالي بأن هذا التعديل يخضع لقاعدة الأثر المباشر للقانون .
وفي هذا يقول حكم المحكمة الدستورية العليا الصادر بتاريخ 3 فبراير 1996 في القضية رقم 18لسنه8 قضائية _دستوري) ( وكان نفاد هذا القانون من تاريخ العمل به لا يخل بجريان الآثار التي رتبها القانون السابق عليه ، خلال الفترة التي ظل فيها قائماً. ذلك أن الأصل في القاعدة القانونية هو سريانها من تاريخ العمل بها على الوقائع التي تتم في ظلها ، وحتى إلغائها.فإذا أحل المشرع محلها قاعدة جديدة ، تعين تطبيقها اعتبارا من تاريخ نفاذها، وإهمال القاعدة القديمة من تاريخ إلغائها، وبذلك يتحدد مجال أعمال كل من القاعدتين من حيث الزمان ، فما نشأ مكتملاً من المراكز القانونية -وجودا وأثرا- في ظل القاعدة القانونية القديمة ، يظل محكوما بها وحدها .
ويثبت خطأ اتجاه المحكمة بعدم اكتمال الواقعة القانونية أو المركز القانوني ، وأسبغت وصفا غريباً أن الواقعة لازالت في طور التكوين ، رغم أن مؤسسي الأحزاب قدموا الأوراق للجنة شئون الأحزاب كاملة متوافرا فيها الشروط الموضوعية والشكلية لطلب تأسيس حزب وصدور قرار لجنة الأحزاب بالرفض وتقدموا بالطعن على قرار لجنة الأحزاب الذي صدر وفقا لقانون قائم وساري حتى صدور القرار بما يعني أن الواقعة القانونية مكتملة التكوين منتجة لأثارها كنزاع قائم بين الجهة الإدارية هي لجنة الأحزاب بقرارها ومؤسسي الحزب، وكان يجب أن ينحصر دور المحكمة في النظر في هذا القرار ومشروعيته وفقاً للقانون الساري المفعول وقت صدوره.
ثانياً: أعطى الحكم إشارات سلبية تتناقض مع الخطاب السياسي العام وتوجه الدولة متمثله في قرار رئيس الجمهورية بطلب تعديل مواد في الدستور ومن بين مسبباته لطلب التعديلات كانت تقوية وتعزيز دور الأحزاب السياسة بشكل خاص وتحقيق تقدم على طريقة التطور الديمقراطي بشكل عام.
المحور الرابع : الخاتمة والتوصيات
ويتضح مما سبق أن قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 وتعديلاته الأخيرة بالقانون رقم 177 لسنة 2005 بحاجة إلى ثورة تشريعية إذا أرادت الدولة إجراء إصلاح حقيقي وليست مجرد عملية ترقيع ثوب بال وانفراد حزب بعينه بالقرار، وتجاهل التنوع السياسي والثقافي والفكري في المجتمع المصري ،الأمر الذي يشير إلى أن التجربة الحزبية في مصر لم تؤت ثمارها خاصة بعد الانتخابات البرلمانية التي جرت في شهري أكتوبر ونوفمبر عام 2005 والتي أسفرت نتائجها عن فوز أربعة أحزاب معارضة بعشرة مقاعد فقط بنسبة 2.31% ، وغياب 16 حزباً من البرلمان ، فيما حصل الحزب الوطني الحاكم على 32.6%، مقابل 20.4% للأخوان المسلمين، و 45 % للمستقلين الذين انضم معظهم بعد ذلك إلى الحزب الحاكم .
وفي نهاية تقريرها ، تؤكد المنظمة المصرية أن الحق في المشاركة السياسية وتكوين الأحزاب هو حق كفله الدستور في المادة الخامسة منه أصبح لا وجود له في الواقع السياسي بسبب استمرار العمل بالقانون 40 لسنة 1977 والذي يعطي لجنة شئون الأحزاب الحق في إجهاض أي محاولات لميلاد أحزاب جديدة، أو تجميد أحزاب قائمة بالفعل بذات الحجة وهي الصراع على رئاسة الحزب بين أعضاء الحزب، وهو ما ينعكس سلباً على الحق في تعدد الأحزاب و ممارسة دورها وتحقيق هدفها المنشود وهو التداول السلمي للسلطة، وعليه فإن المنظمة المصرية تطالب بإلغاء قانون الأحزاب السياسية رقم 40 لسنة 1977 وتعديلاته الأخيرة،وسن قانون جديد للأحزاب يتضمن القواعد التالية :
1. تكوين الأحزاب السياسية بالأخطار،على أن يكتفي القانون بالنص على شروط عامة تكفل التعبير السياسي السلمي و الديمقراطي عن كل توجهات الشعب المصري.
2. حظر تكوين الأحزاب ذات التشكيلات والتنظيمات العسكرية أوشبه العسكرية، أو التي تقوم على أسس دينية ، أو عقائدية ، أو طائفية ، أو عرقيه.
3. إلغاء لجنة شئون الأحزاب المشكلة بمقتضى القانون رقم 40 لسنة 1977، وإنشاء لجنة جديدة يتولى رئاستها رئيس مجلس الشورى ، وتضم في عضويتها الأحزاب الممثلة في مجلسي الشعب والشورى ، وتختص بفحص ودراسة إخطارات تأسيس الأحزاب السياسية ومدى مطابقتها لأحكام القانون، وطلب أية مستندات أو أوراق أو إيضاحات ترى لزومها من ذوي الشأن أو من أية جهة رسمية أو تكليف أية جهة رسمية بإجراء تحقيق أو بحث أو دراسة للتوصل إلى الحقيقة فيما هو معروض عليها ، كما تقوم اللجنة بإخطار رئيسي مجلسي الشعب والشورى بأسماء المؤسسين ليتولى المجلسين إعلان تلك الأسماء في جريدتين يوميتين .
4. حرية الأحزاب في إنشاء أي عدد من الصحف الحزبية ، ووسائل الأعلام المسموعة والمرئية بمجرد الإخطار للجهة المختصة .
5. حرية عقد الاجتماعات والندوات والمؤتمرات دون الحصول على إذن مسبق من الأجهزة المعنية.
6. أن تعتمد الأحزاب في تمويلها على اشتراكات أعضائها وتبرعاتهم، والهبات غير المشروطة ، والدعم المقدم من الموازنة العامة للدولة ، مع الالتزام بمعايير الشفافية والمحاسبة.
7. أن يعفىالحزب من جميع الضرائب والرسوم المتعلقة بمقاره وصحفه وسائر أوجه نشاطه ، مع إعفاء التبرعات من المصريين التي تقدم للحزب من أوعية الضرائب النوعية .
8. إلغاء التشكيل المختلط لمحكمة شئون الأحزاب بمجلس الدولة،وإعادة الاختصاص إلى محكمة القضاء الإداري ، وحق الطعن في أحكامها أمام المحكمة الإدارية العليا .
كما تطالب المنظمة المصرية بأن يكون الشعب وحده الحكم على فاعلية أي حزب وجدارته بالاستمرار -إما بالالتفاف حوله أو الانفضاض عنه- وهو ما يقتضي قطيعة نهائية مع كافة الشروط التحكمية المبتدعة, مثل اشتراط "تميز" برنامج الحزب!، كما ينبغي على الأحزاب السياسية تعديل نظامها الداخلي ، وتحديد مدة رئاستها ، و تفعيل آليات الممارسة الديمقراطية داخلها .
|
|
|